قوة الدافـع!

قوة الدافـــــــع!
هايل علي المذابي
شدني كثيرا ما ذكره الأديب العالمي نجيب محفوظ في ذات حديث له عن دوافعه وهو ما تنبهت إليه اللجنة السويدية لجائزة نوبل، وذكرته في حيثيات منحه واستحقاقه هذه الجائزة، حيث قال: “لو حدث أن تخلى عني دافعي إلى الكتابة في أي يوم فإنني أتمنى أن يكون هذا اليوم آخر أيام عمري …”.
هذه المقولة جديرة بقراءتها قراءة شارحة وعلمية وقد أنجزت هذه المقالة ليكون ذلك..
ما معنى دافع؟
إن كلمة دافع التي هي بالانجليزية «موتيفاشن Motivation» جاء مصدرها من الكلمة اللاتينية «ماتيري Matere» ومعناها يتحرك، ويعرِّف أحد القواميس كلمة «دافع» بأنها الشيء الذي يدفع الإنسان للتصرف أو الحركة ولو قمنا بتحليل كلمة «موتيفاشن Motivation» لوجدنا أنها مركّبة من كلمتين: موتيف + أكشن «Motive + Action» يعني التصرف الناتج عن دوافع.
قال دنيس ويتلي مؤلف كتاب سيكولوجية الدوافع: «تتحكم قوة رغباتنا في دوافعنا، وبالتالي في تصرفاتنا».
وورد في خرافات أيسوب حكاية مؤداها أن أحد كلاب الصيد أفزع أرنباً برية وطاردها ميلاً، وحينما تجاوزته الأرنب كف عن المطاردة. وقد راقب السباق رجل ريفي لقي الكلب لدى عودته، فطفق يُعيُّره هزيمته قائلاً: أرنب صغير تسبقك!!؟
قال الكلب: آه عظيم، إياك أن تنسى أن الجري وراء طعامك شيء، والجري وراء حياتك شيء آخر تماماً.
لو أعملنا النظر جيداً في هذه الحكاية لتبدّى لنا كم أن الكلب كان حكيماً في ردّه على الرجل الريفي الذي عيّره بهزيمته، حيث فرّق بين معنى الجري وراء الطعام والجري وراء الحياة، وبين مدى تفاوتها والسر وراء ذلك التفاوت والذي هو «الرغبة»، ورغم أن كلاهما يسعى إلى البقاء إلا أن رغبة الأرنب كانت أكبر من رغبة الكلب ولأن رغباتهما متباينة فلا غرو في أن تكون دوافعهم متباينة أيضاً، ونخلص من ذلك إلى أن الدوافع أنماط: «دافع البقاء» و«الدافع الداخلي» و«الدافع الخارجي».
قال العالم النفساني ابراهام ماسلو: «أهم الدوافع للإنسان هو دافع البقاء».
أما حين نتحدث عن الدوافع الخارجية فيجب التأكيد على أن هذه الدوافع لها مشكلة تكمن في أنها تتلاشى بسرعة.. كيف؟!
هذه الدوافع مصدرها العالم الخارجي كأن يكون مثلاً أحد الأصدقاء أو فلماً سينمائياً أو مسرحية أو أحد أفراد العائلة أو كتاب ما أو مجلة أو مرؤوسينا في العمل أو خطيب أو محاضر…. الخ.
فلو قرأت كتاباً ما بهدف تنشيط دوافعك النفسية فقس حماسك بعد أسبوع من قراءته ثم بعد شهر ثم بعد ستة أشهر من قراءته ماذا ستجد؟ بالطبع ستجد أن درجة الحماس في انخفاض مستمر بين الفترة والأخرى..؟!
قال الكاتب الأمريكي بنيامين فرانكلين: «نظرات الآخرين لنا هي التي تهدمنا.. ولو كان كل من حولي من العميان ما عدا أنا لما احتجت لثياب أنيقة ولا لمسكن جميل ولا لأثاث فاخر».
وقال عالم النفس الأمريكي ويليام جيمس: «لو انتظرت تقدير الآخرين لواجهت خداعاً كبيراً».
لو علمت بأن هناك مسابقة في مجال يخصك وجائزة هذه المسابقة مغرية وقررت أن تشترك في المسابقة من أجل نيل تلك الجائرة وقمت بالاجتهاد والعمل الدؤوب والمستمر حتى تحصل على جائزة المسابقة وفزت فعلاً، فما عليك سوى أن تقيس جودة انتاجك بعد انقضاء المسابقة وحصولك على الجائزة.. فماذا ستجد؟!
لاشك في أنك ستجد أن مقدار الجودة في عملك ونتاجك قد تضاءل بنسبة لا تقل عن 50% مما كانت عليه حين سعيت لنيل الجائزة.. فما السبب في ذلك؟!
رغم أن المجال هو نفس المجال، وأن الشخص هو نفس الشخص وهو أنت، إلا أن الدوافع قد تغيّرت وهذه هي مشكلة الدوافع الخارجية حيث يتلاشى تأثيرها بسرعة.
قال مارك توين: «يمكنك الانتظار متمنياً حدوث شيء ما يجعلك تشعر بالرضا تجاه نفسك وعملك، ولكن يمكنك أن تضمن السعادة إذا أعطيتها لنفسك».
وقال كونفشيوس أحد حكماء الصين: «ما ينشده الرجل السامي يجده في نفسه، وما ينشده الرجل العادي يجده في الآخرين” عليك أن تكافئ نفسك بنفسك على كل ما تنجزه، لا تنتظر شكراً أو تقديراً من أحد، فالمرء الذي يعتمد على الدوافع الخارجية كالأعمى الذي يقوده الآخرون إلى حيثما يريدون.
أما النوع الثالث من الدوافع فهو الدوافع الداخلية وهو أقواها وأكثرها بقاءً واستمراراً، حيث أنك به تكون موجهاً عن طريق قواك الداخلية الذاتية التي تقودك إلى تحقيق نتائج عظيمة وذلك هو دليل قدرتك على هندسة ذاتك «هندسة عليا» وقدرتك على تصميم ذاتك وإعادة صياغة عالمك دائماً.
الدوافع الداخلية هي السبب في أن يقوم الشخص العادي بعمل أشياء أعلى من المستوى العادي ويصل إلى نتائج عظيمة.. هي القوى الكامنة وراء نجاح الإنسان.. هي الفرق الذي يوضِّح التباين في حياة الأشخاص.. هي القوة التي تدفعك إلى أن تزرع الزهور بنفسك بدلاً من أن تنتظر أحداً يقوم بتقديمها لك «الدوافع الداخلية هي النور الذي يشع من أنفسنا» هي المارد النائم بداخلنا في انتظار من يوقظه.
تبقى مسألة تنشيط دوافعنا الداخلية.. فكيف نستطيع تنشيط دوافعنا؟!
هناك وسائل كثيرة لتنشيط الدوافع أقواها هو «الرابط».. فما هو الرابط؟!
الرابط هو إقامة علاقة بين مدركين لاقترانهما في الذهن لعلة «ما»..
تماماً كعلاقة الدال والمدلول ولنأخذ مثالاً على ذلك تجربة العالم الروسي بافلوف الذي كشف أن عملية الربط بإمكانها أن تثير عملاً جسمانياً، فقد كان بافلوف يقوم في كل مرة بدق الجرس عند تقديم الطعام لكلبه، وكان من الطبيعي أن يسيل لعاب الكلب عند تقديم الأكل وبعد فترة قصيرة تكون ربط عصبي عند الكلب ما بين تقديم الأكل ودقّ الجرس، وبعد ذلك تعمّد أن يدق الجرس بدون أن يقدّم أي طعام للكلب فكانت النتيجة أن سال لعاب الكلب بمجرد سماعه للجرس رغم عدم وجود الطعام.
والإنسان يتصرف على نفس النمط فالعطور والصور والكلام والحركات والملابس والألوان والموسيقى والأغاني ودرجة حرارة الجو وكل شيء من حولنا ونعيشه يمكن أن تكون روابط تعيد إلى أذهاننا مواقف معينة وتجعلنا نعيش مرة أخرى في التجارب التي مررنا بها من قبل.
علينا أن نخترع لأنفسنا روابط تمنحنا القوة وتنشط دوافعنا الداخلية فالروابط سلاح ذو حدين من شأنها أن تمنحنا القوة كما من شأنها أن تثبط عزائمنا كما قد تصل بنا أحياناً إلى الهلاك.
إذا أردت تنشيط دوافعك وإشعال حماسك فليس عليك سوى تعزيز الروابط التي بدورها ستزيد حماسك وتمنحك القوة وكذلك التدرّب على استعمال تلك الروابط عدة مرات يومياً حتى تصبح جزءاً منك وتعتاد عليها.
كل ما عليك من الآن بعد أن تخترع الروابط لتصل إلى أعلى درجات القوة وقتما تريد هو أن تلمس الرابط الخاص بالتجربة التي أدت إلى رفع درجة حماسك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close