.”انزلاق نحو الفوضى”

نجاح محمد علي
فتحت استقالة نواب التيار الصدري من البرلمان الباب على مصراعيه لنقاش طغت عليه الأمنيات والرغبات أكثر منها تحليلات واقعية، للتأثير على الوضع السياسي، المتأزم أصلا بسبب عدم التوافق على تشكيل حكومة جديدة منذ الانتخابات التي أجريت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
كان ملفتاً التهويل من عواقب الخطوة التي أقدم عليها السيد مقتدى الصدر، وأن العراق “على مفترق طرق… إما النجاة أو نهاية دولة اسمها العراق”.
في النصف الفارغ من القدح ، ينظر الى هذا التطور “غير المسبوق” على امتداد تأريخ مجلس النواب وخصوصاً من كتلة ظهرت وكأنها الفائز الأول في انتخابات شابها التزوير والتلاعب على نطاق واسع وعملت على إقصاء منافسيه من قوى وشخصيات مخضرمة ، بمثابة “تتويج أقصى لنحو ثمانية أشهر من انسداد الحلول السياسية وتعطل الاستحقاقات والآجال الدستورية”.
فقد عكست خطوة الاستقالة ما كان داخل كواليس التحالفات السياسية بين المضمون المعلن خلف النزاع حول شكل الحكومة المقبلة، بين تحالف «إنقاذ وطن»و «الإطار التنسيقي» .
لكن الخلاف غير المعلن يدور حول مسائل أكثر تعقيداً، يخص وجود الحشد الشعبي وسلاح فصائل المقاومة و طبيعة العلاقة مع دول التطبيع الرئيسة مع الكيان الصهيوني ، وبالتالي مع إيران، بزعم إعلاء مبدأ السيادة الوطنية والنأي بالعراق عن الصراعات الإقليمية والدولية، التي تنخرط فيها المملكة السعودية والجمهورية الاسلامية على السواء. الى جانب سلسلة من البرامج الإصلاحية التي يتوجب أن تستجيب لمطالب المرجعية والاحتجاجات الشعبية المطلبية ، التي ركبت موجتها أطراف في تحالف «إنقاذ وطن» وغيرت مسارها الى أعمال عنف دموية شهدتها مدن العراق وبلداته وقراه في الوسط والجنوب في تشرين أول اكتوبر العام 2019″.
لكن في النصف المملوء من القدح ، يمكن القول إن خطوة الصدر قد تساعد بتحريك المياه الراكدة التي تكاد تخنق العملية السياسية الراهنة، في ضوء نجاح «الإطار التنسيقي» في تعطيل الاستحقاقات الدستورية بالثلث الضامن الذي حال دون تنفيذ أجندة الإقصاء التي تسهّل انزلاق العراق إلى أَتون فوضى ، فقد كان البلد بلغ تخوم شفا جرفٍ هارٍ، مع خطورة أن ينهار الى مهاوٍ سحيقة.
كشفت وقائع الأيام الماضية منذ إنسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان واستمراره في الحكومة وعموم الدولة وبيده مناصب نافذة وحساسة، أن خيار تشكيل «حكومة توافقية» يبقى الأنسب لمنع الانزلاق الى الفوضى و مهاوي الردى ، وهي نفسها بالضبط «حكومة الأغلبية» على شاكلة الحكومات السابقة مع فارق واحد يتمثل باقصاء قوى شيعية محددة ومشاركة كل الموجودين في الحكومات السابقة الآخرين فيها ، وهي أي «حكومة الأغلبية» لن تُفضي إلا إلى ما هو أسوأ على مستوى الخدمات والوضع الاقتصادي والبطالة والفساد.
أدركت الأطراف السنية والكردية داخل تحالف «إنقاذ وطن» أن الصدر أنه لا يستطيع أن يتفرَّدَ وحيداً بالحكم على مستوى «البيت الشيعي»، وأن الرهان على إبعاد الأحزاب والفصائل الشيعية الأخرى ، و اختراق قوى «الإطار التنسيقي» لإقصاء رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، الذي حل ثالثاً بفوزه بـ34 مقعداً، والذي نجح في النهاية في قلب الطاولة على تحالف «إنقاذ وطن» الذي لم يكن العرب السنة ولا الحزب الديموقراطي الكردستاني راغبين في الأساس في حكومة أغلبية تعني بالضرورة السير في حكومة محاصصة.
الأكيد أن العراقيين لايريدون الا الحلول؛ فالأزمات متشعبة وعناوينها لا تقتصر على تلبية حاجات الناس، فيما الصراع الاقليمي والدولي الدائر على أرضهم لا يزال مستعراً، وقد حذر منه المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي السيستاني الذي يجب التذكير به مجددًا. ففي بيان ألقاه ممثله في العتبة الحسينية السيد أحمد الصافي قال سماحته مشيرًا الى الاحتجاجات المطلبية بعد أيام من اندلاع مظاهرات تشرين : “إن الدماء الزكية التي سالت خلال الاسابيع الماضية غالية علينا جميعاً ومن الضروري العمل على منع اراقة المزيد منها، وعدم السماح ابداً بانزلاق البلد الى مهاوي الاقتتال الداخلي والفوضى والخراب، وهو ممكن اذا تعاون الجميع على حلّ الازمة الراهنة بنوايا صادقة ونفوس عامرة بحب العراق والحرص على مستقبله”.
ومن هنا إستناداً الى بيان سماحته يمكن النظر بإيجابية الى خطوة استقالة نواب التيار الصدري بأنها تحريك للمياه الراكدة في الساحة السياسية الأمر الذي يجب أن يدفع القوى السياسية نفسها هذه المرة للانتباه إلى بيان المرجعية و مطالب المحتجين السلميين وأخذها بعين الاعتبار في مفاوضاتها لتشكيل الحكومة، لإجهاض مؤامرة الداعين الى تنفيذ مشروع “انزلاق العراق نحو الفوضى”.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close