اشارات السيد محمد حسين فضل الله قدس سره عن سورة ابراهيم (ح 1)

الدكتور فاضل حسن شريف

جاء في كتاب تفسير القرآن الكريم للسيد محمد حسين فضل الله قدس سره: قال الله جل جلاله “كِتَابٌ أَنزَلْناه إِلَيْكَ” (ابراهيم 1) وهو القرآن “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” (ابراهيم 1) ليشرق بآياته في عقول الناس التي عاشت في ظلام الكفر والخرافة والتقاليد السخيفة، وغرقت في ضباب الجهل، ولتنطلق في حياة الناس رسالةً تنير الدرب للسالكين، وشريعةً تنظم حياتهم، ومنهجاً يسدّد خطواتهم فيها. وهكذا كان دور القرآن دوراً تغييرياً لينقل الناس من المفاهيم المظلمة إلى الحقائق المشرقة، ومن أجواء الجاهلية إلى رحاب الإسلام {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} في ما يخطط لهم من وحيه “إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” (ابراهيم 1) الذي يوجه الناس نحو الخط المستقيم الذي يؤكده بأسباب القوّة والقدرة، فلا يستطيع أحد أن ينتقص من عزته، أو يسيء إلى جوانب الحمد في ذاته سبحانه.

قال الله تبارك وتعالى “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِـَآياتنا” (ابراهيم 5) التي أنزلها عليه في التوراة “أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” (ابراهيم 5) بما تدعوهم إليه من عبادة الله الواحد الأحد، ورفض كل أشكال الصنمية والعبودية للأحجار أو الأشخاص وبما تقودهم إليه من التزام بالشريعة الكاملة التي تحدّد لهم منهج حياتهم، ليتحركوا بوعي ينطلق من الحكمة، ويلتقي بالخير والإحسان والرحمة. {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} بما توحيه نسبة الأيام إلى الله من كونها أزمنة تتميّز بنعمه أو بلائه كمظهر من مظاهر قدرته وسطوته ورحمته وعذابه في تاريخ الأزمنة السابقة، وحركة المستقبل في الأزمنة اللاحقة. وهدف التذكير هنا، حثهم على التفكير بالارتباط بالله من أقرب طريق، ينشدان رضاه ورحمته، والخوف من سخطه وعقابه، والالتزام بالخط الذي يريدهم أن يسيروا عليه. وبذلك يكون هدف الذكرى إطلاق وعيٍ، بعلاقته بالله واتصال حياته به في جانب العافية والبلاء، ليخطط وينفذ من هذا الموقع. “إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ” (ابراهيم 5) بما يفرضه البلاء من الحاجة إلى الصبر، وما توحي به النعمة من الشكر، أو في ما يقتضيانه معاً من صبرٍ على المسؤولية التي تحتويهما معاً، وشكرٍ على النتائج الإيجابية التي تثيرهما معاً.

قال الله عز وجل “أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ” (ابراهيم 9) الظاهر أن هذا الكلام تتمة لحديث موسى مع قومه، إذ لو كان خطاباً موجهاً من النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم للمشركين من قومه، لكان من المناسب أن يتحدث عن أقوام الأنبياء الذين يعرفونهم، كقوم موسى وعيسى. والآية تستخدم أسلوب التذكير بالتاريخ للبرهان على النتائج السلبية للكفر والانحراف، من خلال ما عاشه الكافرون من عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة، بغرض ردع الكافرين المتأخرين، عندما يقفون أمام المعادلة الإلهية التي لا تفرق بين الماضي والحاضر في أساس الثواب والعقاب، فإذا كان كفر أولئك سبباً في نزول العذاب، فإن كفر هؤلاء لن يكون بعيداً عن استحقاقهم لما استحقه أولئك الذين “جَآءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ” (ابراهيم 9) التي تفتح عقولهم بالحجة الواضحة والبرهان القاطع على الحقيقة من أقرب طريق، ودعوهم للإيمان على هذا الأساس ليفكروا ويتأملوا ويقتنعوا، “فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ” (ابراهيم 9) تعبيراً عن الغيظ، فقد ذُكِر أن رد اليد إلى الفم يمثل مظهراً حيّاً للإعراض ولشدّة الغيظ، “وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ” (ابراهيم 9)، لأننا لم نقتنع به بديلاً عن عقيدة الشرك لدى الاباء والأجداد، “وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ” (ابراهيم 9)، بل إننا في شك يتزايد في مضمون الدعوة وشكلها وصاحبها، كلما امتدت الدعوة فينا. وجاء في قوله عز من قائل “قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ” (ابراهيم 10)، إن قضية الشك في كل القضايا، لا بد من أن تخضع لمعطياتٍ تحتويها داخلياً أو خارجياً فيما يتمثل فيه الغموض أو الالتباس الذي يحجب الوضوح عن الرؤية ويعقّد الحل للمشكلة ويبتعد بالفكرة إلى آفاق الضباب. وهذا ما يمكن ملاحظته في كثير من الأمور التي يختلف فيها الناس، وتتعدّد فيها الاراء، لتعدد وجوهها وإمكانات تفسيرها.

ويستمر الحديث بين الرسل وبين الكافرين من أممهم، دون فرق في المنطق والموقف بين أمّةٍ وأمة، حيث لا يوجد فكر يحكمها، بل عنف يتمسك به من لا يتقنون فنّ الحوار، ولا يحملون قوّة الفكر، ولا يعيشون وعي الموقف. “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا” (ابراهيم 13)، إنه موقف أخير وإنذار حاسم، لا مجال معه للتسويات بينهم وبين الرسل، فلا بد من أن ينسجم الرسل مع الأجواء العامة التي تحكم حياة أقوامهم، لجهة ما يعتنقونه من أفكار، وما يضعونه من مشاريع، وما يتخذونه من مواقف، وإلا فليلتمسوا بلاداً أخرى يعيشون فيها، حتى لا يهدموا وحدة الأمة. وبذلك فإن العودة في ملة الكفار التي اشترطها أولئك على الرسل لا تعني أن الرسل كانوا كفاراً كما يدل المعنى الحرفي للعبارة، لأن ذلك لا ينسجم مع التاريخ الإيماني للرسل، بل إنهم كانوا غير معارضين بالمعنى الحركي للكلمة، وإن كانوا كذلك بالمعنى الفكري للإيمان. وهكذا وقف الكافرون ليطرحوا عليهم الابتعاد عن خط المعارضة والتحدّي في حركة الإيمان تحت تأثير التهديد بالإبعاد عن أرضهم. إنهم يستضعفون الرسل ليخضعوا لمنطق القوّة، لأن الرسول كان وحيداً في البداية والجميع ضدّه إلا من اتبعه من الضعفاء. ولكن الله لا يترك رسله لهذا الموقف الذي يضغط عليهم بكل قوّته وجبروته، “فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ” (ابراهيم 13)، فهذه هي إرادة الله في إهلاك هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، وظلموا الناس من حولهم، بعد أن أقام الله عليهم الحجة تلو الحجة من خلال الرسل، فلم يأخذوا بأسباب الإيمان، بل أمعنوا في خط الكفر والعناد والضلال.

ورد في حديث الإمام علي عليه السلام: (من يعمل لغير الله يعكسه الله لمن عمل له). فالإسلام يريد أن يؤكد في وجدان الإنسان وفي حياته، على العمل المنطلق من قاعدةٍ ثابتةٍ في النفس، تضمن استمرار دوافعه الخيّرة ونهجه القويم، وتحمي الحياة من الأطماع والأهواء التي تتحكم بالإنسان. وقد يندرج في إطار العمل لله، ما ينطلق من الذات دون خلفية تجارية تتطلب ربحاً مادياً أو معنوياً وامتيازات دنيوية، فإن الظاهر في مثل هذه الحال أنه متأتٍّ عن إيمان راسب في داخل النفس وعمق الضمير، تحت ضغط مشاكل الحياة أو أمور أخرى تعيق الإحساس بامتداده الروحي في الأعماق. “مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ” (ابراهيم 18) لجهة نتائج أعمالهم التي قاموا بها، على أساس خط الكفر حيث لا ينطلق الإنسان من قاعدةٍ أخلاقيةٍ أو روحيةٍ ترتبط بالله، “أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ” (ابراهيم 18) فلم تُبق منه شيئاً، “لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ” (ابراهيم 18)، لأن الريح التي عصفت به حوّلته إلى ذراتٍ ضائعةٍ في الفراغ “ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ” (ابراهيم 18). وأي ضلال أعظم وأبعد مما يقوم به الإنسان ويجهد نفسه فيه، من أعمال شاقةٍ ومتعبةٍ دون أن يحصد منها أيّة نتيجة إيجابية في مصيره النهائي، حيث يحتاج الإنسان إلى كل جهد قام به مهما كان صغيراً. إنه الضياع الذي يمثل الخسارة على كل صعيد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close