النقد الأدبي والنظرية الأدبية.. روجر وبستر

النقد الأدبي والنظرية الأدبية
روجر وبستر
نرجمة ا.د. كاظم خلف العلي
استاذ اللسانيات والترجمة – كلية الآداب – جامعة البصرة
[email protected]
لقد اسس النقد الأدبي نفسه على أنه النشاط الرئيس المرتبط بالدراسة الأكاديمية للأدب، وتحتاج المصطلحات والأصناف التي يوظفها إلى مساءلة أيضا. لقد جرت العادة على استعمال مصطلحات مثل “مؤلف” و”شخصية” أو “رواية” كما لو كانت غير إشكالية، كما لو كانت جوانب طبيعية وبدهية تماما من الأدب. وعلى المنوال نفسه، لا ينبغي أن نسمح للأصناف التي تنشأ في المناهج النظرية بالوقوف دون اعتراض أيضًا.
قد يكون من المفيد في هذه المرحلة التمييز بين أنشطة أو ممارسات النقد الأدبي والنظرية الأدبية لأن هذه هي مجالات الارتباك المحتملة. ويمكننا القول، بنحو عام، أن النقد الأدبي يتضمن قراءة وتفسير والتعليق على نص معين أو نصوص حددت كأدب. ويميل هذا إلى أن يكون النشاط السائد المرتبط بالدراسة الأدبية: إذ يمارسه نقاد محترفون ويتداول بنحو منشور من الكتب إلى المجلات، ويمارسه أيضًا طلاب الأدب جميعا في المقالات أو إجابات الامتحانات أو الأطروحات. وتضمن صعود “اللغة الإنگليزية ” في غضون القرن الماضي السعي وراء النقد الأدبي كنشاط رئيس. وبدأ مصطلح “النقد” بالاقتران مع “اللغة الإنگليزية” والدراسات الأدبية في تحقيق مكانة بارزة من أواخر القرن التاسع عشر واستمر في التطور في الاستعمال بطرق مختلفة في القرن العشرين. وبدأ شاعر القرن التاسع عشر والناقد الثقافي ماثيو أرنولد في استعمال مصطلح “النقد” بتركيز خاص، على سبيل المثال في مقالته حول “وظيفة النقد في الوقت الحاضر “The Function of Criticism at the Present Time (1867). ويعد مصطلح “النقد العملي Practical Criticism” الذي قدمه الناقد الأدبي في القرن العشرين آي أي رݘاردز I A Richards، وما تلاه من أنشطة التدريس والتقييم الشكلية اللاحقة، مثالاً على الكيفية التي أصبحت بها السمة المركزية لدراسات اللغة الإنگليزية. وأصبح “النقاد” البارزون، من أمثال أف آر ليفز مثل F R Leavis، معروفين بأنهم الممارسون الرئيسيون للنقد؛ ومن الجدير بالذكر أن العديد من مؤلفي الأعمال الأدبية كتبوا أيضًا نقدًا أدبيًا، على سبيل المثال هنري جيمس Henry James أو تي أس إليوت T S Eliot.
وعلى الرغم من أن النقد مصطلح جامع وواسع للغاية ويغطي مناهج ومواقف متعددة عن الأدب، إلا أن هناك عرفين أو افتراضين يميلان إلى أن يكونا متأصلين في ممارسته، في كل من نشاط النقد والخطاب النقدي. الأول هو أن النقد ثانوي فيما يخص الأدب نفسه ويعتمد عليه: فالنقد يأتي بعد النص الأدبي. والثاني هو أن التفسيرات أو الأحكام النقدية تبدو وكأنها تفترض أن النص الأدبي الذي تتناوله هو بلا شك الأدب: أن الأدب صنف طبيعي وبديهي ومن ثم هكذا تكون الآراء النقدية الناشئة عنه. وسينظر فيه في هذا في الفصل الرابع، تحت مبحث الأيديولوجيا.
ومع ذلك، فإن بعض مناهج الأدب والنقد الأدبي التي تطورت بواسطة العمل النظري تقدم طرقًا مختلفة إلى حد ما لرؤية الأشياء. وبادئ ذي بدء، ينبغي توضيح أنواع الإجراءات و الطرق والقيم الضمنية في الافتراضات المذكورة آنفا: عندما نقول أن العمل “أدبي” وعندما نحلل جوانب منه بالتفصيل، ثم نواصل اعتباره جيدًا، سيئا، وما إلى ذلك، نحتاج إلى فهم كيفية عمل هذه الأنشطة نفسها وكيفية التوصل إلى مثل هذه الأحكام. يمكن النظر إلى النقد الأدبي، بدلاً عن كونه ثانويًا فيما يخص الأدب، على أنه وسيلة لبناء هيئة من الكتابة والمعرفة والذي يبدو أنه يعدهما موضوعًا للدراسة؛ وبعبارة أخرى، يمكن عد الأدب نتاجًا للنقد ومعتمدًا عليه وليس العكس. ومن المؤكد أن النقد يلحق حتمًيا من ناحية الترتيب الزمني في مناقشة النصوص التي يتناولها، ولكن هذا لا يعني القول بأن ذلك النقد معتمد على الأدب بمعنى أن وظيفته الوحيدة هي التعليق علي النصوص الأدبية بطرق تبدو أنها تعكس محتواها. وبدلا من ذلك يمكن القول أن كل من نصوص الكتابة المصنفة كــ “أدب” من أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا من قبل نقاد مثل ماثيو أرنولد حتى اف آر ليفز و تحديد الصفات والخصائص “الأدبية” مثل “النغمة” و “الشخصية” و”الرؤية الأخلاقية” وما إلى ذلك تبنى في المقام الأول بواسطة خطابات النقد الأدبي والتي ليس لها أصول في النص الأدبي على هذا النحو. ولوضع الأمور بنحو مختلف، لا ينبغي أن يكون هناك أدب بدون نقد أدبي.
إن فكرة أن للأدب وجوده أو معناه الأساس المستقل عن النقد هي فكرة عززها ماثيو أرنولد في مفهومه عن “تجرد/موضوعية disinterestedness” الناقد. لقد أصر آرنولد على أن النقد ينبغي أن يرى الموضوع في حد ذاته حقًا مثلما هو. وتعكس هذه النظرة للناقد كشخصية غير مبالية أو محايدة، تتفحص العمل الأدبي بموضوعية، إحدى الصفات الرئيسة التي اصبحت ترتبط بالنقد الأدبي كنشاط رسمي، والتي كان من المفترض أن يكتسبها طلاب الأدب. وتتعارض الفكرة إلى حد ما مع وجهة نظر الأدب على أنه “تجربة”، ومنطقة ذاتية وفردية إذ يكون لـ “الشعور” أهمية كبيرة، مثلما قال دي اج لورنس D H Lawrence، “على الناقد أن يكون حيًا عاطفيًا في كل نسيج”(2). وبدا أن النقد الأدبي لا يجد صعوبة كبيرة في استيعاب مثل هذه المواقف المتناقضة. ومع ذلك، فإن بعض المنظرين الأدبيين، كما اقترحت انفا، قد يرى “الأدب” و”الأدبي” وعلاقة النقد الأدبي بهذه المجالات بنحو مختلف نوعًا ما. وكما سنرى بمزيد من التفصيل لاحقًا، فقد رأوا حاجة إلى تحديد ماهية الأدب، وإلى تحديد الخصائص التاريخية والثقافية والشكلية واللغوية التي يمكن أن تسمح لنا بالتحدث عن “الأدبي” بمصطلحات محددة. إضافة إلى ذلك، تدرك النظرية الأدبية أن الافتراضات التي قدمها بعض النقد عن الكتاب والقراء وما نعده “واقعًا”، تحتاج إلى المساءلة وإعادة الصياغة، وقد تغير هذه العملية الطرق التي نقرأ ونفسر بها.
ربما نستطيع هنا أن نميز بين النقد الأدبي والنظرية الأدبية. إذا قلنا أن النقد يتضمن قراءة وتحليل وتوضيح وتفسير النصوص التي صنفت على أنها أدبية، إذن فإن النظرية الأدبية ينبغي أن تفعل شيئين: ينبغي أن تزودنا بمجموعة من المعايير لتحديد الأدب في المقام الأول، وينبغي أن يضيف الوعي بهذه المعايير إلى ممارستنا النقدية. وتفحص بعض هذه المعايير في مناقشات نظريات اللغة في الفصل الثالث وفي المبحث الخاص بالإيديولوجيا في الفصل الرابع. ثانيًا، ينبغي أن تجعلنا على دراية بالطرق والإجراءات التي نستعملها في ممارسة النقد الأدبي، بحيث لا نحقق في النص فقط ولكن أيضًا في الطرق التي نقرأ بها النص ونفسره بها. وبالمعنى الدقيق للكلمة، ينبغي أن نميز بنحو أكبر بين النظرية الأدبية والنظرية النقدية، إذ ان النظرية الأدبية تهتم في المقام الأول بماهية الأدب والأدبي، بينما تهتم النظرية النقدية بطبيعة النقد والممارسة النقدية. ويميل الجانبان إلى أن يندرجا ضمن الفئة العامة للنظرية الأدبية، وبالفعل فإن بعض المنظرين يناقش في كثير من الأحيان النظرية النقدية أكثر من النظرية الأدبية، مما يشير إلى المرونة، أو ربما للا دقة، المصطلحات التي عرقلت باستمرار الدراسات الأدبية بطرق مؤسفة. وعلى الرغم من ذلك، فإن من الواضح أن مجالي النظرية ليسا متعارضين بالطريقة نفسها التي لا ينفصل بها النقد الأدبي والنظرية الأدبية تمامًا: في الواقع ينبغي أن يضيف كل منهما إلى الآخر وبالتالي يكون لهما علاقة مترابطة. يوضح المخطط في أدناه امكانية تصور العلاقات بين الأدب والنقد الأدبي والنظرية الأدبية.
ولا يمثل هذا المخطط نموذجًا كاملاً للعمليات الأدبية والنقدية: هناك غيابات واضحة، لا سيما شخصيات المؤلف والقارئ التي يُعتقد عادةً أنها أساسية لدراسة الأدب. وربما نلاحظ في هذه المرحلة أن بعض المقتربات النظرية لا تهتم بنحو كبير بشخصية المؤلف كما هو متصور تقليديًا، ولا ينبغي أن تعد المؤلف / المؤلفة نقطة انطلاق بديهية في التفكير في الأدب بمعنى أما كمجوعة كتابية أو كنص فردي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close