الأدب و التجربة.. روجر وبستر

الأدب و التجربة
روجر وبستر
ترجمة ا.د. كاظم خلف العلي
استاذ اللسانيات والترجمة – كلية الآداب – جامعة البصرة
[email protected]
من أصعب القضايا المتعلقة بربط القراءة والتفسير بالمناقشات النظرية هو أن فهمنا لقصيدة أو رواية أو مسرحية معينة يتحدد حتماً بواسطة تجربتنا لها، وهذا سيتحدد بنحو أكبر بواسطة تجاربنا السابقة- الأدبية وغير الأدبية. لكن التجربة، على الرغم من ذلك، يمكن أن تعني أشياء مختلفة جدًا، وهي مصطلح قادر على احتواء أفكار متناقضة تمامًا: على سبيل المثال، الاختلاف بين تجربة الواقع وتجربة اللغة، والذي سأناقشه في المبحث القادم.
لقد ارتبطت دراسة الأدب بقوة بمجال التجربة والمصطلحات المرتبطة بها مثل “الشعور” و “العاطفة”. وعلى هذا النحو، تميل الدراسة الأدبية إلى أن ينظر إليها على أنها معارضة للعلوم الصرفة والعلوم الاجتماعية، وخاصة في المؤسسات الأكاديمية البريطانية. ومن المعروف أن للنظرية مكانًا في دراسة موضوعات مثل الفيزياء أو الكيمياء، ويمكن رؤيتها أيضًا بوضوح في علم الاجتماع أو الفلسفة. وعندما يتعلق الأمر بالموضوعات التي تعد عادةً على أنها تنتمي إلى الفنون أو العلوم الإنسانية، فإنه غالبًا ما يُنظر إلى النظرية على أنها هامشية أو حتى غير ذات صلة. لا تتضمن دراسة التاريخ دائمًا دراسة النظرية التاريخية بنحو صريح، ومثلما أشرت مسبقا بالفعل، فإن دراسة اللغة الإنگليزية أو الأدب في بريطانيا كانت شديدة المقاومة للمناقشات والمقتربات النظرية. ورأى أف آر ليفيز أن النقد الأدبي يختلف تمامًا عن تخصصات علم الاجتماع أو الفلسفة وطرقهما. لقد شعر أن “التكرار المدرَّب trained frequentation للأدب وحده” كان في مركز الدراسة الأدبية التي يمكن بواسطتها اكتساب فهم كامل لـ”التجربة الإنسانية الملموسة” (1). وعلى وجه الخصوص، شكلت مفاهيم المشاعر والعاطفة جوهر المحور التجريبي للدراسة الأدبية، غالبًا تحت عنوان “النقد العملي”، إذ يفترض أن يكون القارئ قادرًا على التماهي مع التجربة الموجودة في النص الأدبي، أو مع التجربة التي ينقلها الكاتب بواسطة النص. لكن الذي تكون مشاعره وعواطفه بالضبط قضية لا يتطرق إليها عادةً إذ يبدو الأدب قد قدم شكلاً من أشكال التجربة الكونية المتسامية التي يمكن للنقد الأدبي الوقوف عندها.
ومع ذلك، أصبحت هذه المنطقة من التجربة المؤهلة بالشعور إشكالية بنحو متزايد إذ ولّد البحث النظري وجهات نظر تشكك في طبيعة التجربة وأولويتها كشكل من أشكال الفهم والمعرفة. والقضية المركزية التي كشفها عدد من المناقشات النظرية هي: تجربة من تلك التي نتحدث عنها في هذا النوع من النقد؟ التجربة ذاتية ونسبية ومتغيرة على نحو فردي وتاريخي، وفي حالة الأدب، فإنها تُوَّلد عن طريق اللغة، وهو ما يمثل تعقيدًا إضافيًا- على الرغم من أن العديد من نقاد المدرسة التجريبية Experiential School أما أنهم قد يتجاهلون اللغة أو يرونها مجرد جانب ثانوي أو وسيط للتجربة .ومالت الجوانب المتعددة والإشكالية للتجربة إلى أن تقمع في كثير من الممارسات النقدية. وبدلاً من الكشف عن الطبيعة المتعددة والمتغيرة للتفسير، والتأكيد على أهمية سياق القارئ من حيث التاريخ والجنس والطبقة، وما يترتب على ذلك من علاقته بالنص الأدبي، فإن هذا النقد يتحقق من صحتها على ما يبدو بواسطة التجربة الفردية المشتركة. ولم تركز التجربة الفردية التي يعبر عنها في كثير من الأحيان بنحو كبير على الاختلافات بين القراء، في الواقع، تفترض لغة معظم الكتابات النقدية أن القراء جميعا هم ذكور وعادة ما تتضمن بالتالي مجموعة مشتركة من القيم الاجتماعية والثقافية.
تحتاج التجربة لكونها محكًا نقديا إذاً إلى فحصها بعناية. ويمكن للتجربة أن تحجب العمليات التي تنشأ بواسطتها أشكال المعنى، ويمكن أن تفضي إلى قبول القيم أو “الحقائق” التي هي جزء من سياق ثقافي أكبر بكثير من سياق العمل المعني. ومن ناحية أخرى، ينبغي ألا تتعارض التجربة والنظرية مع بعضهما البعض: فبدلاً من إبطال تجربة القراءة، يمكن للنظرية تعزيزها وتحريرها. ومثلما سنرى، بواسطة تحدي بعض الأعراف والافتراضات السائدة ضمن أنماط النقد التقليدية، يمكن أن تفضي النظرية الأدبية إلى فهم أشمل للنصوص الأدبية وأشكال التجربة التي تولدها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close