رسالة مفتوحة إلى السيد رجب طيب أردوغان

رسالة مفتوحة إلى السيد رجب طيب أردوغان

رئيس الجمهورية التركية المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد فُجع الشعب العراقي والشعوب الشقيقة العربية والتركية والكردية والفارسية بالحدث المأساوي المُفجع بقتل مجموعة من أبناء العراق العرب الهاربين من حر الطقس وجحيم الفساد وانقطاع المياه وحروب التكفير وحَسرة الخدمات ولجوئهم إلى شمال وطنهم العزيز مع إخوانهم الكرد لينعموا بلحظات من الراحة والسكينة؛ فإذا بقذائف الحقد والهمجية تنهال عليهم فتقطّع أوصالهم وتصيب معهم إخوانهم من مضيفيهم فتنقلب الأحوال وتجعل لحظات سعدهم القصيرة كوارث ومصائب ونحيباً وعزاءً في واحدة من أشد الصور المأساوية التي عاشها شعبنا وأمتنا في سنوات المحنة الطويلة، وإذا كان الجيش التركي لا يستهدف المدنيين كما تعلن قيادته وكل جيوش العالم، وكما نعتقد نحن لعدم وجود اي مُبرر لوقوع هذه الجريمة المروعة؛ فإن اي قائد مسلم وإنسان عاقل يتوقع حصول مثل هذه الكوارث خلال الحروب التي تخوضها الجيوش بحق او بغير حق كما اثبتت التجربة التاريخية، ولذلك وجب الحذر للابتعاد عن الحروب وتجنّب إثارتها او الخوض فيها؛ وهو ما ذكرناه وحذرنا منه في رسالتنا الاولى إليكم في بدايات الأزمة السورية والفتنة التي أُججت هناك وأُنفق عليها مائة وسبعة وثلاثون مليار دولار باعتراف منفقيها وبإشراف امريكي صهيوني مباشر، وكنا نريد لتركيا الا تكون طرفاً في الحرب والفتنة التي مزّقت الشعب السوري الشقيق ودمرت بلاده التي كانت مفتوحة على مصراعيها أمام تركيا وشعبها وباتفاق قيادة البلدين؛ ولكن تركيا وبخطأ تاريخي استدرجت إلى الفتنة وصارت منفذاً للإرهابيين ولمخططات الناتو وعملاء المنطقة الذين كان عليهم أن يدفعوا الأموال الطائلة لتراق دماء السوريين والعرب والمسلمين خدمة لأهداف المشروع الصهيوني لإخراج سورية من موقعها التاريخي في مواجهة العدوان الامريكي والصهيوني على العراق وعلى سوريا ولبنان وفلسطين وكل شعوب ودول امتنا.

ما جرى في زاخو في شمالنا العزيز يمثّل جريمة ضد الانسانية ولا مبرر لها، ورغم ان كل الخبراء العسكريين واهل المنطقة الميدانيين اكدوا ان السلاح المستعمل في الجريمة هي مدافع معروفة لا يملكها الا الجيش التركي، وقد جاءت القذائف من جهة القواعد التي يتواجد فيها، الّا ان السؤال المهم من المستفيد من هذه العملية الإرهابية؟!، فسنجد ان تركيا بعد الضحايا وعوائلهم هي المتضرر الأكبر، وان أمريكا وادواتها مع الكيان الإسرائيلي هو المستفيد الأول؛ لذلك يجب بدء تحقيق مهني شامل وبمشاركة الجانب العراقي رغم هزال الموقف الحكومي المعروف ومع عوائل الضحايا المظلومين لتحديد الجاني الذي قد يكون عسكرياً تركياً حاقداً على الإسلام وعلى التجربة القائمة في تركيا، أو عميلاً مدسوساً داخل الجيش او الدولة، وقد قمتم باعتقال وطرد الآلاف منهم بعد الانقلاب الفاشل في 15تموز 2016م، ولا يستبعد العاقل بقاء أمثالهم إلى الآن لفعل عمل تخريبي من هذا النمط الفظيع، او قد يكون من فعل العملاء الذين تدعمهم أمريكا واسرائيل وتزودهم بالسلاح من أجل إثارة الحروب بين الدول الإسلامية ومنهم بعض الميلشيات الانفصالية التي لانقبل أبداً بدورها في تصعيد الازمات والدعوة إلى الانفصال والتقسيم في تركيا وسوريا والعراق وإيران وباقي الدول العربية والإسلامية، مع التأكيد على إنسحاب الجيش التركي من العراق وسوريا والتعاون مع البلدين لمواجهة الإرهاب وانهاءه وعدم اتخاذ ذلك ذريعة لشن الحروب والتوسع للهيمنة والاستيلاء على البلدان والشعوب التي يجب احترام تطلعاتها واعتبارها جزءً أصيلاً من أمتنا في هذه المنطقة الحساسة والمركزية في عالم السياسة والفكر والرسالات ومنها شعبنا الكردي الشقيق الذي عانى من الظلم والتهميش وعبث السياسة، والذي نأمل ان يكون انتشاره في البلدان المقسمة سبباً لوحدتها بعد تقاربها خلافاً لما خطط له أعداء أمتنا.

لذلك وامام هول الفاجعة التي جرت في مصيف زاخو فإننا نطالب بخطوات عملية تستوعب الأحداث، وتعين على التقارب الحقيقي، وتؤمن المخاوف التي تواجهها تركيا وباقي دول المنطقة، ومن هذه الخطوات:

أولاً: إجراء التحقيق النزيه والعادل وتحمّل المسؤولية الكاملة عن الحدث ونتائجه، وكشف القوى الداخلية والخارجية التي اقترفت الجريمة.

ثانياً: الاعتذار الرسمي للشعب العراقي ومشاركة العزاء مع العوائل والضحايا المظلومين والتعويض الكامل عما أصابهم من أضرار ومعالجة الجرحى في المستشفيات المناسبة، وبشكل مستعجل ومعلن.

ثالثاً: سحب الجيش التركي من الشمال ودخول الجيش العراقي إلى كل المناطق للسيطرة عليها بمعاونة وتنسيق القوى الشعبية لمنع أية نشاطات مزعزعة للأمن في العراق وتركيا وإيران وسوريا، ومنع اي عمل يضر بوحدة أراضي هذه البلدان من خلال تعاون دولها مع ضمان حرية الشعوب وحقوقها وخصوصاً الكرد الاشقاء وشعوب كردستان.

رابعاً: التأكيد على الموقف الموحد لأبناء الامة اتجاه أوضاع العراق والمنطقة وتجاه القضية الفلسطينية التي هي قضية المسلمين الاولى.

خامساً: تثبيت التعاون بين طهران وانقرة وترشيد هذا المحور ليتكامل محور الامة، والتنبه إلى المؤامرات التي تعمل لضرب هذا التعاون.

سادساً: التواصل مع أبناء فلسطين ولبنان المقاومين ومع أبناء العراق المجاهدين لبناء علاقات متينة تتكامل في نفس الاتجاه.

وأخيراً فإن إعادة نهضة الامة من خلال وحدتها لا يمكن ان يتم إلا بتقارب دولها واتحادها على أساس مبدأ الخلافة الراشدة والشورى الصحيحة، وليست العودة إلى أحلام الامبراطوريات الاستبدادية التي حكمت باسم الدين وهي كانت تمثّل الملك العضوض؛ الذي حذرنا منه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أدت في النهاية سياساتها الاستبدادية والحكم المتوارث العضوض إلى هزيمة العالم الإسلامي وتقسيم اقاليمه وتراجع الامة في سلم البناء والمجد والحضارة.

ان العدوان الامريكي البريطاني الصهيوني على العراق وعلى سوريا ولبنان وفلسطين وعموم المنطقة والذي تجب مواجهته، كان يمكن لتركيا ان تقوم بدور الاخ الكبير والدور الوسيط من خلال التعاون مع الجمهورية الإسلامية والتأثير الإيجابي على الدول العربية في الخليج الجزيرة العربية وغيره، وإدخالها في مشروع الصلح والتقارب والنهضة الموحدة لأمتنا؛ ولكن المؤسف أن هذه الدعوات ذهبت هباءً وتصاعدت الفتن في سوريا مع تصاعد العدوان الصهيوني عليها وعلى لبنان وفلسطين والعراق وكل المنطقة وسارت مخططاتهم لتقسيم السودان وإشعال حرب اليمن والتوتير الطائفي في البحرين ونشر الفتنة في أنحاء العالم الإسلامي حتى وصلنا إلى مرحلة التطبيع الأخطر، وإذا بنا نرى تركيا تستقبل وجه الإرهاب الصهيوني الذي أدانته علناً وأخذت من أجل ذلك مساحة واسعة في قلوب أبناء الأمة في كل مكان ومنهم العرب وغير العرب مسلمين وغير مسلمين كما لاحظنا ذهاب وزير الخارجية ليبكي على ضحايا الهولوكوست اليهودي الذي صنعه الغربيون بينما كان الاجدى ان يبكي كما فعلتم قبلها على الهولوكوست الفلسطيني الذي صنعه الصهاينة وعلى فلسطين والقدس قبلتنا الأولى ومسرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعراجه إلى السماء وثالث الحرمين ومحل رباط أمتنا إلى قيام يوم الدين.

وفي الختام نسأل الله تعالى ان تكون هذه الاسطر نافعة لحفظ وحدة الأمة الإسلامية ضد اعدائها، والخلاص من الفتن التي تحيطها، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جواد الخالصي

مدرسة الإمام الخالصي في الكاظمية المقدسة

25 ذو الحجة الحرام 1443هـ

24 تموز 2022م

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close