مثلث السلام: كيف يمكن لكنيس يهودي إعادة إحياء الهوية اليهودية بالمغرب، بلد الوئام بين الأديان

بقلم آدي سيمكين
هل سبق أن راودتك فكرة عبقرية بقيمة مليون دولار؟ فكرة تراودك وتهمس في أذنك أنك إذا قمت فقط بتحقيقها، فسيصبح العالم مكاناً أفضل وسيصبح الناس أسعد. تعتبر مثل هذه الأفكار نادرة، بل أكثر ندرة هي فكرة بقيمة مليوني دولار لن تساعد مجتمعاً فحسب، بل ستساعد بلداً بأكمله وربما العالم بأسره. يخطط جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بجهة مراكش آسفي، لبناء كنيس يهودي، فلطالما راودته هذه الفكرة لمدة عشر سنوات. منذ عشرين عاماً، تقف كنيسة ومسجد مقابل بعضهما البعض بحي هيفرناج بمدينة مراكش. يتصور جاكي بناء كنيس يهودي مقابل البنايتين، أي مكاناً مقدساً مميزاً حيث سيتمكن الناس من جميع الديانات الإبراهيمية الثلاث ممارسة شعائرهم بنفس الحي، المكان المسمى مبدئياً بمثلث السلام. هذا المشروع له قيمة رمزية وعملية، إذ سيجسد بناء الكنيس اليهودي إلى جانب الكنيسة والمسجد تاريخ الوئام بين الأديان في المغرب. ويخطط جاكي لبناء متحف في الكنيس اليهودي لإحياء ذكرى تجربة الطائفة اليهودية بالمغرب، إلى جانب مكتبة وفصول دراسية. عملياً، تحتاج الطائفة اليهودي بمدينة مراكش إلى مساحة أكبر للصلاة، حيث يفوق عدد الطائفة اليهودية عدد المقاعد المتواجدة في الكنيس بالمئات لأنه منذ اتفاق أبراهام الذي وقع في ديسمبر 2020، أصبح المغرب يستقبل 300 ألف سائح إسرائيلي سنوياً، مقارنة ب 50 ألف سائح سنوياً قبل توقيع الاتفاق. سيدعم هذا الكنيس الجديد ازدهار مستقبل الطائفة اليهودية بمدينة مراكش.إن إنجاز هذا المشروع لن يثير الجدل، فالمغرب بلد متعدد الثقافات، حيث تميزت العلاقات بين اليهود والمسلمون والمسيحيون بحسن الجوار، لذا فإن مقترح جاكي سيلقى آذاناً صاغية. لقد سمعت مراراً وتكراراً حكاية مفادها أنه في الماضي، كان اليهود والمسلمون يرضعون أطفال بعضهم البعض. روى جاكي قصة جرت أحداثها في أربعينيات القرن العشرين بحي الملاح عن تاجرين، أحدهما يهودي والآخر مسلم ، كانا يثقان ببعضهما البعض بشكل وثيق لدرجة أن المسلم ترك متجره ومنزله لصديقه اليهودي عندما ذهب إلى الحج لمدة ثلاث سنوات. وهكذا، مع قصص مماثلة، فإن تاريخ العلاقات بين اليهود والمسلمون والمسيحيون بالمغرب يتسم بترابط وثيق. وبالتالي، فإن بناء هذا الكنيس اليهودي إلى جانب مسجد وكنيسة، سيكرم ذلك التاريخ. إن مشروع بناء الكنيس اليهودي الجديد يولي أهمية كبرى للذاكرة، حيث سيضم المتحف وثائقاً وتحفاً حول التجربة اليهودية بالمغرب. وسيحافظ الأرشيف الرقمي على القصص اليهودية وذكريات الجيل الأكبر سناً ليكون بمثابة شهادة للأجيال القادمة، كما ستدعم المكتبة والفصول الدراسية تعليم الشباب اليهودي المغربي. وسيكون الكنيس اليهودي، ومثلث السلام بأكمله، مساحة نشطة لتعزيز قيم التراث الثقافي وإشراك الشباب. يتوقع جاكي أن الكنيس (ومتحفه) سيلقى إعجاب السياح من جميع أنحاء العالم. سيكون لليهود المغاربة الذين هاجرت عائلاتهم إلى إسرائيل علاقة خاصة بمثلث السلام. تتواجد جميع المواقع المقدسة والتاريخية بالمغرب، لذلك يعاني أحفاد اليهود المغاربة الإسرائيليين من مشكلة لا تمر بها العائلات اليهودية  المتواجدة بالمغرب: لقد سمعوا قصص عائلاتهم لكن لم تتسنى لهم فرصة زيارة أماكن وقوع أحداث القصص. وسوف يروق الكنيس اليهودي، ومثلث السلام، السياح وسيمثل نموذجاً للسلام بين الأديان. وتمتد القيمة الرمزية لهذه المعابد الثلاثة لتشمل بقية العالم. وفي الوقت نفسه، فإن القيمة العملية للكنيس اليهودي ملحة وضرورية، إذ يحتوي الكنيس الذي يصلي فيه جاكي على 112 مقعداً بالضبط. ولكن في ليلة الجمعة على الساعة 9 مساءً، يأتي 400 شخص للصلاة، فيضطر ما يقرب من 300 مصلي القيام بذلك في الخارج. إنهم بحاجة إلى مكان للتجمع ومكان للصلاة، ومكان تجمع الطائفة. يقترح جاكي أن ينضم هذا المكان إلى مكان  تجمع الطائفة المسيحية والمسلمين. لقد أعاد اتفاق أبراهام إحياء تاريخ الوئام بين الأديان بالمغرب، ففي حين كان الناس في السابق يمارسون شعائرهم في الخفاء، فإنهم يشعرون الآن بالحرية للتعبير عن معتقداتهم خارج مجموعاتهم الدينية. ومع تطور المجتمعات التي تعيش فيها مختلف الأديان في وئام، فإن مثلث السلام حيث يمكن لجميع الأديان الثلاثة ممارسة شعائرهم جنباً إلى جنب ليس حلماً جميلاً فحسب، بل من الضروري جعله أمراً واقعاً. عندما سألت جاكي عن ميزانيته لبناء الكنيس، أخبرني أن الله سيجلب المال، غير أن بناء هذا الكنيس اليهودي يعتمد على مساهمات المستثمرين. والسؤال المطروح هو: كم ستدفع مقابل هذا الكنيس اليهودي، مركز المجتمع، رمز السلام بين الأديان؟ 

صورة لكنيسة الشهداء القديسين ومسجد جليز، 13 يوليوز 2022
آدي سيمكين طالبة في جامعة فرجينيا وتجري تدريبها بمدينة مراكش بالمغرب.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close