عين ماء وقتال (قصة قصيرة)

عين ماء وقتال (قصة قصيرة)

نهض الإمامُ حاملًا فأساً , إتَّجه خلف خيمة النساء , حفرَ فنبعتْ عينُ ماءٍ عذبٍ , شربوا منها , فغارت .

عيون ابنُ زياد تراقب ما صنع الحسين , اشتاط غضبا , ارسل رسالة لعمر بن سعد : بلغني أَنَّ الحسين يحفر الآبار , ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه , فأنظر إذا ورد عليك كتابي فأمنعهم من حفر الآبار ما استطعت, وضيق عليهم, ولاتدعهم أن يذوقوا من الماء قطره.

فرض عمر بن سعد الرقابة الشديدة وأَحاط نهر الفرات بالحرس والجنود .

عادت لوعة الأطفال وهم يستغيثون من الظمأ, ندب الحسين أَخاه وابن والده أَبا الفضل العباس , انبرى قمرُ العشيرةِ وبصحبته ثلاثين فارساُ وعشرين راجلاً , حملوا عشرين قربة , اقتحموا نهر الفرات ,تقدم نافع بن هلال , استقبله عمرو بن الحجاج مسؤول الحراسات ,سأله : ما جاء بك؟

ـ جئنا لنشربَ من هذا الماء الذي حَلأتُمونا عنه .

أجابه : اشرب هنيئا .

ـ أَفَأَشربُ والحسين عطشان ومن ترى من أَصحابه؟

صرخ : لا سبيل إلى سقي هؤلاء ,إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء.

اقتحموا المكان ملآوا قربهم , ثار عليهم عمرو مع مفرزة من جنوده , التحم معهم العباس ونافع بمعركة دون خسائر , فعادو بقربهم مملوءة بالماء .

أروى السَّقَّاءُ أَطفالَ الحسين والنساءَ وأنقذهم من العطش .

**********

*( اجتماع)

أَحاطَ الهولُ بالحسين وهو صامدٌ , يرفضُ الإذعانَ لعصابة البغي والاثم في عزة المتقين .

أَرسل لعمر بن سعد إنِّي أريد أَن أُكلمك فأَلقني الليلة بين عسكري وعسكرك!

ابن سعد يكلم نفسه , ما يريد منِّي سبط النَّبي, دوامة في رأسه لا تهدأ , تأرجحت ذاته واضطرب ضميره كمن يعرف الحق ويخالفه , نادى على عشرين فارسا وسار للقاء الحسين.

أمره التقرب والتنحي عن فرسانه لاجتماع مغلق حضره ابن سعد وابنه حفص وغلامه لاحق , والعباس وعلي الأَكبر مع الإمام.

زجره الامام قائلا : ويحكَ أَما تتقي الله الذي إليه معادك؟

أَتقاتلني وأَنا ابنُ منْ علمت؟ يا هذا! ذَر هؤلاء القوم وكن معي، فإنَّه أَقربُ لك من الله.

وسوس له شيطانه وحرك لسانه بعذر واهي : أَخاف أَن تهدم داري!

أَردف الحسين .. أَنا أبنيها لك!

برهة صمت ,عادة دوامة رأسه ,خاطبه لبه : الحسين .. كلا ….كلا…الري , قرر : الري , تبسم , مساحة كبيرة خضراء , جواري , كؤوس خمر , موسيقى !

أطلق عنان لسانه بحجة : أخاف أَن تؤخذ ضيعتي!

ـ رَدّ الحسين: أَنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.

استولى على لب ابن سعد شيطانه لينطق : لي عيال أخاف عليهم!

نظر لعينيه حبيب المصطفى وتعهد مخاطبه: أنا أضمن سلامتهم.

أخرس لسانه وأطبق شفتيه , انصرفَ الإمامُ عنه ,وهو يردد : مالكَ؟ ذبحكَ الله على فراشك سريعاً عاجلا، ولا غفر لك يوم حشرك ونشرك، فوالله! إنِّي لأَرجو أَن لا تأكل من بُرِّ العراق إلَّا يسيرا.

خرق عمر مسامع الحسين قائلا: يا أَبا عبد الله في الشعير عوضٌ عن البُرِّ!

يا تُرى هل نال عمرُ بن سعد أُمنيته بعد شهادة سيد الشهداء ؟

………………………

*للكاتب مجاهد منعثر منشد /المجموعة القصصية (ظمأ وعشق لله) , الفصل الرابع رحلة من المدينة إلى الكوفة, ص 82ـ 83.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close