ليلة ودع الحياة (قصة قصيرة)

ليلة ودع الحياة (قصة قصيرة)

وَطَّنَ نفسه على الموت ,لايعرف خياراً بين أمرين , ثانيهما خذلان الحق وبيعة يزيد!

يعلم برسله صرعوا واستشهدوا ,عصابات البغي تنتظره بالغدر والمنايا ..

الموقف بالنسبة للحسين لايتغير ما وَطَّنَ عليه إرادته ,وعزمه وضميره ثابت , لكن ما عسى فعل أصحابه وأهل بيته تجاه المتغيرات ؟

جمعهم في الليل , وقف بينهم , حمد الله وأثنى عليه , أما بعد : فإنِّي لا أعرف أصحاباً خيراً من أصحابي , ولا أهل بيت أبرُّ وأوصلُ من أهل بيتي , فجزاكم الله خيراً ,فقد بررتم وأعنتم .

وأنكم لتعلمون أَنَّ القوم لايريدون غيري, وأَنَّ يومي معهم غداً!

وإنِّي قد أذنتُ لكم جميعاً, فانطلقوا في غير حرج, ليس عليكم منِّي ذمام .هذا هو الليل قدغشيكم , فانطلقوا في سواده قبل أن يطلع النهار ,وانجوا بأنفسكم .

هل ابنُ علي وحفيد محمد يتحدث معهم بعاطفه أو لايريد أن يحملهم مسؤولية الموقف الذي اختاره وقرار مواجهته باستبسال ؟

ويا ترى هل يتقبل الأصحاب والأَهل رأيه هذا؟

لم يكد يفرغ الإمام من كلماته حتى تحولوا جميعاً إلى أسود تزأر بالكلمات والعيون تترقرق بالدموع!

صاح أخوه لأَبيه العباس , لم نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ؟ لا أَرنا الله ذلك أبداً.

وهبَّتْ فتيةُ آل عقيل مطلقين عنانَ أَصواتهم بلسان واحد :إذاً ما يقول الناس ؟ وما نقول ؟

إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأَنام ولم نرم معهم بسهم , ولم نطعن برمح , ولم نضرب بسيف ولاندري ماصنعوا؟ لا والله لا نفعل , ولكن نفديك بأَنفسنا وأَموالنا وأَهلينا نقاتل معك, حتى نردَ موردك ,فقبَّحَ الله العيش بعدك.

ومن أَصحابه وأَنصاره نهض مسلم بن عوسجه ودموعه تتبلور على خديه , خاطبه: أنحنُ نُخلّي عنك؟ وبِمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟! أما والله لا أُفارقك حتّى أطعنَ في صدورهم برُمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمهُ في يدي.

وكذلك تكلم سعيد بن عبد الله النخعي معلناً ولاءَهُ الصادق إلى الإمام , تلاه زهير بن القين يزأر وينادي : والله لوَدَدْتُ أنّي قُتلتُ ثمّ نُشرْتُ ثمّ قُتِلْت حتّى أُقتل هكذا ألْف مرّة وأنّ الله جلّ وعزّ يدفعُ بذلك القَتْل عن نفسك وعن هؤلاء الفِتيان من أهل بيتك.

قام آخر وآخر من أَصحابه , كلامهم يَشبه بعضه بعضاً ,مرحبينَ بالموت .

نطقَ الحسينُ مخاطبهم : يا قوم إنّي غداً أُقتل وتُقْتَلون كُلّكم معي ولا يبقى منكم أحدٌ.

ـ أجابوا : الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرّفنا بالقَتْل معك أوَلا ترضى أنْ نكون معك في درجتك يا ابن رسول الله؟

نجح اختبار الإمام ليرى ظمأهم للشهادة وبيعتهم لتاريخ التضحية والفداء وسموهم للعطاء في هذا الموقف المجيد , دعا لهم بالخير .

…………………………………

*للكاتب مجاهد منعثر منشد /المجموعة القصصية (ظمأ وعشق لله) , الفصل الخامس المأساة الخالدة , ص 86ـ88.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close