فنانات كورديات متسلحات بالريشة والفن دفاعا عن المساواة والحرية

فنانات كورديات متسلحات بالريشة والفن دفاعا عن المساواة والحرية

اعتبر “معهد واشنطن” الأمريكي أن الفن أصبح بمثابة سلاح للنساء الكورديات من اجل رواية قصصهن كشكل من اشكال المقاومة، حيث يحاربن من اجل نيل حقوقهن متسلحات بريشة الرسم بدلا من السلاح.

 

وبداية، أشار تقرير المعهد الأمريكي الذي كتبته الباحثة شيلان فؤاد حسين والتي لها أبحاث في الدراسات الشرق أوسطية والكوردية، وعملت سابقا في “المعهد الكوردي في واشنطن”، إلى أن الفن يعتبر الركيزة الثقافية لأي مجتمع، وأن المساواة بين الجنسين والحرية السياسية هي التي تساعد على ازدهار المجتمعات.

 

ويقول التقرير، الذي نشر باللغة الانجليزية، إن هذين العنصرين بدآ في الآونة الأخيرة بالانصهار في المجتمع الكوردي وكانت النتيجة وسيلة فعالة لنساء كوردستان لإخبار قصصهن والحفاظ على الروح الجماعية لشعب محتل بلا وطن، مضيفا انه “في ظل الظروف السياسية التي يرزح تحت وطأتها ما بين ثلاثين الى أربعين مليون كوردي حيث شهدوا على حظر استخدام لغتهم ودمار قراهم، أصبح أي إبداع ثقافي من قبل الكورد بمثابة شكل من أشكال المقاومة”.

 

واضاف التقرير انه “حتى الفن غير السياسي أصبح بحدّ ذاته فعل تمرد لإثبات الذات”، مشيرا الى ان هذا الاندفاع الفني يعتبر طبيعيا بالنظر إلى أن “المسألة الكوردية” بقيت محظورة لعقود ومجرّمة ومخفية من الساحات العامة، ما عنى أن العديد من النساء الكورديات بشكل خاص كان لديهن الكثير ليقلنه حين أُتيحت لهنّ الفرصة أخيرا”.

 

ولفت إلى أن هذه الأصوات بات بالإمكان التعبير عنها من خلال الفن الذي يمثّل أداة لرسم معالم المجتمع الجديد.

 

وذكر ان هناك مجموعة كبيرة من الفن الكوردي المعاصر الذي يتطلب وصفه الكثير من الكتب، مشيرا على سبيل المثال إلى المجلّد الصادر في العام 2017 عن “إيماغو موندي” بعنوان: بين السطور: الفنانون الكورد المعاصرون، عن 115 فنانا معاصرا.

 

الفن من خلف قضبان زنزانة

 

واشار التقرير الى ان زهرة دوغان، هي واحدة من الفنانات الكورديات الرائدات اللواتي يستحوذن على اهتمام العالم، وهي أمضت ثلاث سنوات تقريبا في السجون التركية بين 2017 و 2019 بسبب لوحة رسمتها تجسّد مدينة نصيبين الكوردية المدمرة. وتابع أنه عندما مثلت أمام المحكمة، اتُهمت بأنها “تتجاوز حدود الفن”، وحين سألها القاضي عن سبب رسمها لتلك اللوحة، أجابت أن الدولة هي فعليا من صنعت هذه الصورة، وأنها كانت تنقل فقط الدمار الذي خلّفته قائلة :”أنتم فعلتم ذلك وأنا رسمته فحسب”.

 

وتابع التقرير انه خلال وجودها في السجن، استمرت دوغان في ممارسة الفن رغم المخاطر، مستذكرةً “في السجن، كان لدي خياران: إما القبول بالواقع والشكوى، أو محاولة المضي بفني كوسيلة للمقاومة”.

 

ومن اجل ان تضمن متابعة فنها خلال تلك السنوات الثلاث تقريبا، تحتم على دوغان أن تكون خلّاقة في رسوماتها وأن تجد المواد المناسبة للوحاتها، اذ في ظل عدم وجود ورق، استعانت بالصحف والكرتون والأقمشة كأساس للوحاتها، وهي من اجل الحصول على الالوان، لجأت إلى مجموعة واسعة من المواد، فالأعشاب المطحونة للون الأخضر، والكرنب للأرجواني، والرمان أو الدم للون الأحمر، والكركم للأصفر، وأقلام الحبر الأزرق، وحبوب البن للبني، و رماد السجائر للرمادي والبهار للأسود، ثم قامت بتهريب أعمالها الفنية المتعددة من السجن بواسطة الغسيل المتسخ.

 

وبعدما أطلق سراحها من السجن، غادرت الفنانة الكوردية البالغة من العمر 31 عاما آنذاك تركيا وأقامت معرضًا كبيرا لأعمالها التي رسمتها أثناء وجودها في السجن.

 

وقالت دوغان أن “المشهد الفني في كوردستان يتغير بسرعة في الوقت الراهن وثمة موجة من الفنانين الجدد المبدعين”.

 

وحول مكانها في حركة التغيير الأشمل، قالت دوغان: “نحن الكورد نحارب من أجل حقوقنا منذ أكثر من 100 سنة. البعض اختار المحاربة بالأسلحة، ولكن يجب أن نتعلم المحاربة بأساليب أخرى. والفن هو أحد هذه الأساليب بالنسبة لي”.

 

وذكر التقرير ان دوغان تعتبر أن هذه المعركة متمحورة حول إحياء الثقافة والمحافظة عليها، قائلة “في بلدي، دُمرّت هذه الذكرى لقرون، ومن خلال القضاء على أرشيفنا التاريخي، يحاولون زجنا في دوامة النسيان والاندثار وعدم الوجود، والشعب المجرّد من ذاكرته هو شعب مهزوم، ويكتسي التوثيق في معظم أعمالي أهمية كبيرة. ومن خلال الرسومات، سواء المستلهمة من الوثائق أو المستقاة منها، أحاول تخليدها”.

 

حين يكون المجتمع هو السجن

 

واشار التقرير الى انه جانب زهرة دوغان، هناك العديد من الفنانات الكورديات اللواتي يتحدين التقاليد المحافظة ويطالبن بالمساواة بين الجنسين وحقوقهن كإنسان.

 

وتناول التقرير معرضا مثيرا للاهتمام اقيم في حزيران/يونيو العام 2021، أطلقت خلاله الفنانة نيغا سلام عليه عنوان “القبو” في مدينة السليمانية حيث تم عرض أعمال فنانين كورد من الشباب المؤيدين للمساواة وهم يعالجون مسائل تتعلق بحالة المرأة في المجتمع الكوردي.

 

ولفت التقرير الى ان المشرف على المعرض وصف الأعمال الفنية بأنها تندرج ضمن إطار “منظور جديد” يتحدى المحرمات التقليدية والمسائل المتعلقة بجسد المرأة، كجراحة التجميل، وامتلاك الرجل المفترض لجسد المرأة، ووجود المرأة في المساحات العامة، والقواعد المحافظة المتعلقة بالنوع الاجتماعي.

 

واوضح التقرير ان هذا المعرض سلط الضوء ايضا على فنانة أخرى تسعى إلى تحويل المجتمع الكوردي وهي تارا عبدالله التي اطلقت في العام 2021 مشروعها البصري “مينة” الذي يخبر قصص نساء تعرضن للعنف، وهو مشروع استغرق 3 شهور لجمع قطع ملابس من 99678 امرأة معنفة حيث جرت مقابلة كل واحدة من هؤلاء النساء وتمّ جمع ملابسهن في عمل فني حيك من ملابس النساء وامتد على طول 4800 متر من حديقة الشعب في السليمانية وصولًا إلى دار العدل في المدينة.

 

وبالاضافة الى ذلك، تتحدى أعمال الفنانات من الشتات الكوردي المجتمع، على غرار راز كزيدان، وهي كوردية مقيمة في لندن وولدت في السويد وترعرعت في بريطانيا، لتعود بعدها إلى إقليم كوردستان في العام 2014 بهدف دمج عالميْها معًا.

 

واشار التقرير الى ان كزيدان تجمع بين فن الوسائط والتصوير الفوتوغرافي، وتختص بالتصوير الرقمي الأرشيفي لإعادة صياغة القصص القديمة للفلكلور الكوردي والشعر بصبغة جديدة من الألوان. وتابع قائلا ان كزيدان تعتمد في أعمالها ترك النساء من دون وجوه كي تعكس القمع الذي تتعرض له المرأة وصراعها الطويل والمتواصل على امتداد الأجيال حتى يومنا هذا.

 

ونقل التقرير عن كزيدان وصفها لمهمتها الفنية هذه قائلة “إن مكافحة الظلم والاضطهاد لا تقتصر على التسلح والذهاب إلى المعركة، فأنا أحارب غياب العمل الإبداعي بقيادة المرأة في المجتمع الكوردي. كما أن ثورة النساء لا يمكن أن يقودها رجال يرتدون البدلات”!.

 

وختم التقرير بالإشارة الى ان أهداف الفنانات الكورديات يمكن تلخيصها في رواية الرسامة ميديا أرماني من رأس العين في روج آفا والتي هربت من مدينتها عندما احتلتها تركيا ودخلها متطرفو جماعة إسلامية في العام 2019. وتابع ان ارماني بعد هروبها الى القامشلي، التحقت بمركز “مالفا للفنون” لمواصلة تحسين مهاراتها في الرسم، مدركةً كيف أن “ثورة روج آفا ساهمت في تمهيد الطريق أمامنا نحن الفنانات. فالثورة شرّعت أبواب المجال العام أمامنا. لقد شهد المجتمع تحولًا كبيرًا في وجهات النظر إزاء النساء. وقد ظهرت مواهب النساء المخفية إلى العلن”.

 

ونقل التقرير عن أرماني قولها حول أعمالها الفنية ان “لوحاتي تعكس السلام والطبيعة والنساء، كما ترمز إلى التعايش المشترك بين عدة أديان في منطقتنا حيث نعيش بسلام. أنا أعبّر من خلال لوحاتي عن شوقي إلى مدينتي وعن ألمي في الوقت نفسه”.

 

وخلص التقرير الى القول ان الجملة الاخيرة لارماني تعكس تجربة الكورديات بشكل جيد، والتي هي مزيج من الشوق المفعم بالأمل والألم في عالم لا يزال لا يضمن المساواة بين الجنسين والحرية السياسية. واضاف التقرير انه “في حين يطّلع الإعلام الغربي على معلومات إضافية عن معاناة الكورديات في ساحة المعركة الفعلية ضد جماعات مثل داعش، فانه سيكون على دراية أيضا بالميادين الأخرى التي تحارب فيها الكورديات للحصول على حقوقهن متسلحات بريشة الرسم بدلا من السلاح”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close