الدين والاسرة سبل التربية الأجتماعية – 2

الدين والاسرة سبل التربية الأجتماعية – 2. * بقلم د. رضا العطار

يجب ان نجعل من اطفالنا رجالا، لئلاّ يبقوا في سن الرجولة اطفال، والوسيلة الوحيدة لذلك هي ان نحبهم ونحترمهم منذ الساعة الاولى من ولادتهم. نعاملهم بالحق والعدل.

فالأم التي ترضع ابنها وهو بعد في الاسبوع الاول من عمره ثم تنزع عنه الثدي قبل ان يشبع، انما تسيءاليه. والأم التي تنادي طفلها كي يتغدى وهو مشغول بلعبته ثم تنزعها منه حتى يذهب الى المائدة، تسيئ اليه ايضا، فهي تغرس في نفسه كراهة بل ربما عداوة

فنحن الكبار لا نحب ان يخطف احد طبق الطعام منا، او الكتاب من ايدينا ومع ذلك نحن اقدرعلى التعقل، لكن الطفل الذي تخطف منه لعبته لا يتعقل، فالاثر فيه اكبر، يجعله لا يطمئن، ناهيك عن حالة القلق الذي سيتعرض اليه.

واسوأ ما في الطفل انه عاطفي، يسلك سلوك الحيوان ويحب ان نعامله كما لو كان حيوانا صغيرا محبوبا، والسنوات الاولى التي يترعرع الطفل خلالها في محيط الاسرة، هي النواة الاولى لردود افعاله العاطفية التي ستظهر عليه لاحقا في المجتمع بعدما يكبر،

والاسرة هي المجتمع الاول الذي يأخذ منه الطفل جميع القيم والاوزان التي يطبقها طوال حياته ولا يمكن تغيرها بسهولة.

فإذا كان قد تربى في وسط من الخوف والقلق حيث يصخب الاب ويزعق ويبطش، فإن الطفل عندما يكبر يظن ان جميع الرجال الذين يشبهون اباه هم على منواله، انذاك ينظر اليهم بعين الريبة ويعاملهم بجفاء من حيث لا يعلم بالبواعث التي تدفعه لمثل هذا السلوك

فإذا التقى بأحد الرجال عن طريق الصدفة وله سيكولوجية الاب، قد يكون رئيسه، فإنه يجزع منه وقد يخاف عند مقابلته. والولد وهو في مثل هذه الحالة النفسية قد ينجح في دروسه لكنه لا ينجح في الحياة اذ أنه حرم من صفة الجرأة والاقدام.

فعلينا ألاّ نسمح لأنفسنا ان نضرب الطفل إلاّ في حالات الزجر عن المخاطر، نعم لو اقترب من النار او النافذة مثلا، مع افهامه ضرر هذه المخاطر. لكن يجب الاّ نضربه لكي يدرس، لان العقوبة تجدي في الزجر ولا تجدي في الأغراء.

وعلى الابوين ألاّ يسيؤا معاملة الطفل. لان هذا الاسلوب سيغرس في نفسه صفة الجبن والذل والخنوع. ولا يخفى ما لهذه الصفات المذمومة من انعكاسات سلبية على سلوكه عندما يكبر، وقد تجعله ينشأ سيء الخلق، وقد يتعرض للأصابة بالأنحراف الجنسي نتيجة للكبت المتراكم لأحاسيس الحقارة والدونية والضعة، غرست فيه عن طريق التربية السيئة لأبوين جاهلين.

ماذا يكون حال الطفل، اذا كان الاب يقسي والأم تدلل ؟ وماذا يصيب الطفل عندما يترك الأب امّه ويتزوج غيرها، او يأخذه لكي يعيش مع زوجة ابيه، حيث يجد الظلم والحرمان، وكيف يكون حال الطفل عندما ينطلق الابوان يتشاجران ويتشاتمان امامه ؟ كيف يمكن للطفل ان يتحمل تاثيرات الخصومة والشقاق والصخب في البيت دون ان يتعرض الى اصابات نفسية بدرجات متفاوتة ؟

ان البيت هو المجتمع الاول الذي يتعلم فيه الطفل اخلاقه وتنصقل عواطفه، فليكن هذا المجتمع مهذبا راقيا شعاره الحب والوفاق، تعامل الاطفال فيه بالرفق والحنان، بلا قسوة وبلا دلال. فكلاهما يفسد اخلاق الطفل. فالأطفال الذين نعموا بالتربية الحسنة في اسرة صالحة، سوف ينشأون في المستقبل اعضاء صالحين يفيدون انفسهم كما يفيدون مجتمعهم في كل بُشر وامانة. ليكن مجتمع البيت هذا مجتمعا هادئا حرا كريما صافيا، تحترم فيه حرية الرأي وتستجاب فيه المطالب العادلة للصغار قبل الكبار.

قد نفرط بالتسامح مع اطفالنا، لأننا نعتقد انهم عندما يبلغون سن الرشد سيقلعون عن عاداتهم الشاذة ببواعث ذاتية. ولكن التسامح الزائد يمهد لمثل هذه العادات ان تتأصل، وحينما يكبر الطفل ولا يجد من يزجره من اب او معلم، انذاك تترسخ فيه هذه العادة الممقوقة اكثر، وعندما يدخل معترك الحياة، يتصرف بعواطف قهرية لا يعرف كيف يسيطرعليها حتى لو بلغ الستين من العمر.

عُرف عن (رجل) وهو في الخمسين من عمره يعبث عبث الاطفال. لأنه عندما كان صغيرا كان يؤدي العابا سخيفة، فيجد التغاضي من اهله، فلا نصيحة ولا توبيخ ولا عقوبة. وها هو قد شبّ وبقى كذلك، يمارس تصرفات شاذة، يؤذي بها الغير. منها مثلا: انه يريد ان يستفيد من كذبة نيسان، فيقوم بأرسال برقية لصديق يوم اول الشهر عن نعي فلانا عزيزا عليه معتبرا ذلك مزاحا.

وعندما نتأمل هذا الانسان نجد انه قد اذى نفسه، فلا يكاد يجد له من يجالسه، كون انه برهن ان تصرفاته تخلو من الذوق والشرف. انه بعمله هذا يجرد نفسه من الحس الاجتماعي، بل انه يحتقر الثقافة ويأبى ان يتعلمها، لأن الثقافة تتنافى وشمرته في الحياة.

لنتأمل تصرفات بعض الكبارعلى مائدة الطعام، نجد فيهم اخلاق الاطفال واضحة. فهم يأكلون بنهم يشبه الخطف. وهم يصخبون في الجدال. وهم يضحكون عندما يسمعون بكارثة حلت بأحد الناس، او حريق شب في بيت الجيران. حتى انهم يعيرون المعوقين بعاهاتهم ويتمسخرون بمعاناتهم. وقلما ينجح هؤلاء في الحياة لأنهم يتطوحون في انانية اقتنائية حتى يتجاوزوها الى السرقة التي توصلهم في النهاية الى السجن .

اذن علينا ان نتناول طعامنا بتأني. وان لا نتكلم والغذاء ملئ فمنا. واذا تكلمنا لا نرفع صوتنا، نختار مفردات لغتنا بحذق، ليكون لها لدى السمع وقع حسن ومقبول. مثلما يجب ان تكون تصرفاتنا ضمن الاطر الاجتماعية السائدة، ويا حبذا لو كانت مهذبة.

ان الارتقاء الذاتي يحتاج الى صفات اجتماعية راقية، لاننا لا في انفسنا فحسب انما لمجتمعنا ايضا. اذ نحن ننشد من هذا الارتقاء شرفا ووجاهة ومقاما. وهذه الغايات تثير في نفوسنا عواطف انسانية جليلة وفي كل منا اثر من اثار الطفولة تذكرنا به حتى لو بلغنا السبعين. فاننا حين نغضب ونثور، تطفح افواهنا احيانا دون ارادة منا بكلمات جارحة غير مهذبة لان في مثل هذه الحالة تثار فينا عواطف طفولية مبتذلة تجعلنا نفقد السيطرة على اتزاننا، فنهب الى ضرب الخصم.

ان مسؤؤلية الاباء يجب ان تتمحور حول غرس قيم اجتماعية سامية في نفوس ابنائهم مؤطرة بفضائل الاخلاق، ليكونوا قدوة حسنة في مجتمعهم، يساهمون في بناء جيل عراقي قويم، قادر على تحقيق الاهداف الطموحة لوطنهم، ولئلاّ يبقوا اطفالا حتى

يهرمون.

*مقتبس من كتاب الدين والاسرة والتنشئة الاجتماعية د. سعد الامارة ، النبأ

الى الحلقة القادمة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close