غزل المغانم السياسية في العراق

لم يعد من المستطاع اليوم فهم الأمور بوضوح كما هو في الواقع السياسي العراقي فقد تعقدت فيه الممارسات ويصعب تفسير الكثير من المشاكل السياسية التي وقعت فيه أطرافه و يظلم فيه الناس بناء على الخصومة والمناكفات السياسية، وزادة الغطرسة والهيمنة وتبادل التهم بين الأطراف الكتلونية على زمام الدولة منذ عام 2003 والتي باتت مساراتهم حبرا على ورق وهي ليست الا مجموعة تراوغ في الكرة السياسية و ضاعت عندهم القيم ووقعوا في الانحرافات المتتالية .

الكتل السياسية على هذه الحالة في مهمة صعبة للبحث عن بوصلة إنقاذ نفسها ومشغولة بالتغزل المبتذل فيما بين، وقد تعرت تماما أمام الإخفاقات التي توارثت من الفقر والفساد والضعف و سيلا من الدماء والألم والتفكك ، ولم تتكلف الاطراف السياسية في مراجعة أخطائها وأدائها مع حجم فشلها على مدار عشرين عاماً عن التوصيف الأيديولوجيات الحزبية ومرجعياتها الفكرية الدائرة بين وصفها إسلامية أو قومية أو ليبرالية. وهنا تكمن المشكلة بين إطلاق الاسم والوصف دون فهم التوظيف السياسي والعمل الحكومي ، و تعجز المنظومة السياسية الحاكمة عن تفسيره والرد عليه والحكومة فاقدة للصلاحية التي تخولها للمحافظة على الأمن وتسيير الأعمال وديمومة العملية الاقتصادية ،لان الاستقرار الاقتصادي لابد أن يكون من أهم أولويات اي قيادة للمحافظة على الدولة بشكل عام حتى يتحسن واقع البلد ويستطيع الشعب أن يفكر بالتنمية والتطور بكل مجالاته ولن يأتي ذلك إلا بوجود قوة القانون ويطبق على الراعي قبل الرعية والغني قبل الفقير حتى تبدأ عجلة الحياة بالدوران بالاتجاه الصحيح وتعطي المواطنين حقوقهم وتستقر أحوالهم لنقول هذا هو الواقع الذي نبحث عنه حتى لو كان بنسبة بسيطة عما كنا يتمناه المواطن و توفر احتياجات له مثله مثل أي إنسان يعيش في اي بلد كان دون نقص ويبقى القانون فوق الجميع.

لقد قلبت الحقائق وعزفت على وتر حساس هو السيادة والكرامة التي هي مفقودة أصلاً فلا سيادة ولا كرامة ولا تنمية ولا تحديث فقط انشغال النُخب السياسية بترتيب وضعها السياسي في تنافس مفضوح في الوقت الذي يتكبد المواطن شظف العيش وصعوبات تفاصيل حياته من شحة المياه وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وفشل في كل مفاصل الدولة من انعدام الامن وتراجع هيبة الدولة في التعامل منذ انتهاء الانتخابات الاخير و التي مرت عليها 10 اشهر بالتمام والكمال وبروز تحالفين شيعيين كبيرين وبات واضحاً أن الاستفزازالسياسي هو السمة الأبرز في صراعهما وتبقى الامور على ما هي عليه والكتل منشغلة في صياغة التهم و الفضائح السياسية وملاحقات تافهة وقصص سخيفة أخرى تبثها من على شاشاتهم المتعددة ، كيفما يشاؤون ونحن أمام مهزلةٍ مدهشة تضيع فيها أيُّ بوصلةٍ على منحدر التفاهم للكتل المتخاصمة المختلفة والشعب لا ناقة له فيها ولا جمل.

الفرقاء الخصوم في العملية السياسية يتحاورون في زمن فقدان الثقة بين الجميع في ظل التنافس والصراع على السلطة والقيادة ان ما يفتقده العراق هو القائد الشجاع والحكيم الذي عليه التركيز على ضرورة احترام سيادة العراق وعدم الانحياز لطرف على حساب طرف آخر و يمكنه إقناع جميع الأطراف للجلوس على طاولة واحدة، ولتحقيق هذا الهدف يجب ان يكون هذا القائد مقبول من قبل الكتل السياسية لا أن يغازل بعضهم على حساب البعض الاخر و يروضوا أنفسهم تدريجيا نحو توافق معين في مسألة محددة بذاتها والقبول بالتقارب في اقل نقطة خلافية بينهم، والابتعاد عن الغزل التقليدي العائم في أوهامهم وأحلامهم لأن السياسي ليست مهمته تفسير الأحلام بقدر العمل على تحقيقها على أرض الواقع.

الغزل السياسي له قواعد أساسية و هو لقاء بالمثابرة في إقناع الخصم وقبول الجلوس معه على طاولة الحوار والبقاء معه حتى تلين المواقف وتهدأ النفوس، وهذا هو الدور الأساسي المتروك في الوقت الحالي اذا أراد الجميع تغليب مصلحة الوطن العليا، فعليهم إتقان الغزل السياسي حالا وباللغة السلسلة والمفهومة الذي تغلب عليها الحياد للوطن، ولا يذهبوا بعيدا عن المواطنة حيث الرغبة المشتركة الصادقة في الوصول إلى ضفة الأمان التي ينتظرها هذا الشعب حتى لا يموت ظلماً. الغزل السياسي الدائر لم يكتب لها النهاية السعيدة بين الاحزاب والكتل المتصارعة لأنه يقدم وببساطة الجسد العراقي المتعب ثمنا لذلك ونسبة البطالة ترتفع خاصة بين الشباب وتصل إلى 30 في المائة بحسب الأرقام الرسمية، وتتحدث منظمات دولية وأخرى غير حكومية عن نسبة أكبر وتفاقم الفقروالمعاناة والازمة السياسية بين جر وعر هي قابلة للتمديد إذ لا يمكن في ظل هذه الظروف السياسية والميدانية شديدة التعقيد، الحديث والاعتماد على خارطة واضحة للتوجهات السياسية والتحالفات فيما بين الكتل للوصول الى نقطة التلاقي ، المشكلة المعقدة عند المشتركين في العملية السياسية هي الازدواجية في التعامل واختلطت فكرة المعارضة بالموالات وهناك من امتاز بلعب دور المعارض والحاكم في نفس الوقت وربطه بالمصالح والهروب من المشهد السياسي وركوب موجة محاربة الفساد والدعوات للإصلاحات المشروخة في حين يمتلك جزءا مهما في الحكومة العراقية .

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close