في ذكرى تأبين أول قاضية عراقية… السيدة الوقورة زكية إسماعيل حقي

في الذكرى الأولى لرحيل الإنسانة النادرة السيدة الفاضلة زكية إسماعيل حقي، التي انتقلت إلى بارئها في العام الماضي في يوم 23 آب 2021 عن عمر يناهز اثنين وثمانين عاماً، اكتب هذا التأبين، لأني أحد محبيها الكثر، محاولة مني لاستذكار مآثرها ومواقفها الإنسانية والسياسية والنضالية، والغور في أعماق شخصيتها لفهم أسباب أسى وأسف وحزن الكثيرين على فقدها وانتقالها الى جوار ربها.

تميزت العمة زكية في تعاملها مع من تعرف حسب أعمارهم: فهي جدةً وعمةً وأختاً كبرى في آن واحد، وكل من عرفها أو قابلها يعلم سلفاً بهذه الميزة.. في امرأة بغدادية المنشأ، كوردية فيلية، تعتز بشيعتها وكورديتها وقبلهما بعراقيتها. ونشأت وترعرعت على عشق المعرفة والاطلاع، ورافقها هذا العشق في دراستها الأكاديمية الطويلة، بالرغم من صعوبة الحياة ومكدراتها ومآسيها.

أكملت بكالوريوس في إدارة الأعمال وقبلها حصلت على دكتوراه في القانون من جامعة بغداد وقبلها بكالوريوس قانون بدرجة امتياز العام 1957 من جامعة بغداد ايضاً، وعملت كقاضية ولكنها جُردت من منصبها بعد ثلاثة أعوام بسبب نشاطها السياسي ضمن الحركة النسوية الكوردية. ومع انها من عائلة كوردية محافظة ووالدها كان من وجهاء بغداد الفيليين، بالإضافة الى عائلة زوجها البروفسور الشهيد ياسين محمد كريم، الا انها كانت من رائدات الحركة النسوية الكوردية وساهمت في تأسيس اتحاد نساء كوردستان بشبابها في بدايات خمسينيات القرن الماضي، واختيرت سكرتيرةً لاتحاد نساء كوردستان من 1958 الى1975، وعضواً في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1970.

استمرت العمة زكية في عملها السياسي إلى أن أُخضعت للإقامة المنزلية الإجبارية من 1975 الى 1996. وبالطبع فأنها وخلال هذه الأعوام الكئيبة الطويلة، كان حالها حال جميع المناضلين من الفيليين الحركيين الذين بقوا في العراق يعيشون الاضطهاد او السجن والاختفاء القسري والتعذيب بل والاعدام، او في أحسن الأحوال يكونون تحت رقابة الأجهزة الأمنية المشددة. وفي النهاية، استطاعت الهروب من العراق في عام 1996 عن طريق كوردستان باتجاه الولايات المتحدة الامريكية، حيث اجتمع شمل العائلة: أخواتها وإخوانها (من الذين نجوا بأعجوبة من ضراوة حملة الـ(القائد الضرورة!)).

بالعودة الى تساؤلنا عن أسباب شعور الكثيرين ممن عرف (الحاجة القاضية) أو تعامل معها بالخسارة الشخصية الفادحة: نجيب بأنهم شعروا في نفس الوقت بأن الخسارة الكبيرة بفقدها امتدت إلى الوطن الذي عشقته وخدمته بكل جوارحها في جميع المجالات، كانت خلالها شخصية قوية ومؤثرة ومحترمة في مجالاتها الواسعة الاجتماعية والسياسية والقضائية … قدوةً، ومثلا يحتذى، ومصدر إلهام لمن تعامل معها.

وبالرغم من هموم العمر المتراكمة، وحزنها المقيم على حال العراق والعراقيين، لم تتوقف عن العمل والعطاء بمحض ارادتها، بل اجبرتها سنين العمر وأثقالها على التوقف عن العمل بضعة أشهر قبل انتقالها إلى بارئها.

كانت بمثابة المثل الاعلى في الإنسانية لمن عاشرها وعرف عنها، وفي تطبيقات القيم النبيلة في مساعدة الناس الذين من حولها. فمثل القاضية زكية، الام والاخت والزوجة المناضلة، لا تموت، بل يبقى ذكرها في ضمير ووجدان كل إنسان نبيل وشريف سعد بلقائها والتعرف عليها إذ انها سيدة من اللواتي وضعن بصمة مشرفة ومشرقة في حياة العراقيين وخصوصاً في الحقلين القضائي والسياسي العراقي، وفي تحسين أحوال المجتمع من خلال مشاريع خيرية أو معرفية كانت سمة ملازمة لها رغم كبر السن وجلوسها على كرسي متحرك (في أيامها الأخيرة).

حفلت حياة العمة المناضلة زكية بتجارب متداخلة، وجغرافية متداخلة وتاريخ متداخل، في إجادتها لغات عديدة أعانها بالانفتاح على ثقافات وافاق مختلفة، ترافق ذلك مع تواضعها الجم في تعاملها مع الآخرين والانفتاح عليهم وشغف بالمعرفة بشتى أشكالها الاجتماعية والسياسية والإنسانية بوجوهها المختلفة. وشغلت رئاسة اتحاد نساء كوردستان في حقبة من الزمن.. تلك الرئاسة التي تعرض صاحبتها للإعدام في حالة القبض عليها من قبل النظام الفاشي البعثي في بغداد. وبعد 2003 تسنمت موقع مفتش عام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وبعدها ممثلةً عن الشعب بعد سقوط النظام في الدورة النيابية الأولى من عام 2005 الى2010.

سنفتقد ابتسامتها ونبلها ومواقفها ونصائحها التي لم تفارقها حتى الساعات الأخيرة من وجودها بيننا.

تحية اجلال لسيدة عظيمة معطاء غزيرة المعرفة والكرم…

تحية اجلال لسيدة نذرت نفسها للدفاع عن قضايا المضطهدين وليس القضية الكوردية او العراقية فقط.

تحية تقدير لمن ملك حقبة نيرة وتأريخ مشرف.. وجسد إنموذجاً يعكس المثل العليا في مجتمعنا…

رحمك الله يا من اشتهر عنك القول: “اذا تعرض عراقي واحد للقمع فلا وجود لعراقي حر”

رحمك الله يا عمتي الغالية ام محمد ولروحك السلام والسكينة…”في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر” إن.

كنت تقولين لي دوما بان والدتي الحاجة ام عبد رحمها الله “عصامية ورمز نفتخر بها نحن العراقيين وخصوصاً الفيلية”، ولكن اسمحي لي بالقول أنك أمنا وفخرنا ومحل اعتزازنا أيضا، وانكما اعطيتما للأجيال القادمة معا خير قدوة ومثال نستنير بنهجهما. الفاتحة على روحها الطاهرة…

لقمان عبد الرحيم الفيلي – برلين

الجمعة 19آب 2022

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close