الأونروا تحتضر

لا يمكن انكار الدور الرئيسي الذي تلعبه وكالة التشغيل الأونروا في توفير ضروريات الحياة والخدمات الاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في دول الشتات، أو حتى في الضفة وقطاع غزة في حين تتجاوز أهمية هذه الوكالة في أعين الغرب من كونها داعم مالي مهم، بل تتعدى اهميتها إلى اعتبارها دليلا فريدا وشاهد عيان على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم المهجورة.

الوكالة اليوم في أسوأ حالاتها في ظل أزمتها المالية الخانقة، وتوشك عن تعليق عملها في ظل سياسة الاقتطاعات الأمريكية المتواصلة ومحاولة تسيسها واستعمالها، التي تحدث بالاعتماد بشكلٍ أساسي على المطالبات المُتعَلِّقة بمصداقية الأونروا المؤسّسية وبرنامجها التعليمة، فأمريكا اليوم ترى أن الأونروا غير ضرورية ، أو عدم قدرة أمريكا على تحمل الأعباء المالية للأونروا وحدها دفعها لطلب مشاركة أطراف دولية أخرى في العملية، وكلها حجج غير عقلانية ولا تغطى بالحد الأدنى المعايير القانونية لعرضها على المجتمع الدولي.

حيث عبر المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بيير كرينبول، عن أزمة المنظمة وقال «المنظمة الدولية تواجه أكبر أزمة مالية في تاريخها»، وهو بمثابة تصريح علني لقرب اندثار الشاهد الدولي الوحيد على معاناة التهجير التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين منذ سنة 1950، وهي خطوة قد تؤدّي إلى نَزعِ الشرعية عن حق العودة بحسب قانون 194.

لم تصل الوكالة الى هذا الوضع من فراغ ولم يكن الدعم المالي فقط هو العائق الوحيد الذي يقف في وجهها: هناك عمل منهجي وسياسة أمريكية إسرائيلية ترمي للضغط على “الأونروا”، والدفع بها لحل نفسها بنفسها من خلال تجفيف موارد الدعم لتجد الوكالة نفسها أمام خياري لا ثالث لهما “، إما بتحويل خدماتها الى الدول المضيفة أو تحويل الخدمات كلها أو جزء منها إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، أو الدخول في اللعبة الإسرائيلية وقبول تسييس ملف المساعدات وممارسة ضغط على حكومة حماس و تنفيذ سياسة العصا والجزرة.

تماشيا مع الظروف الراهنة والتي تحمل امكانية تقليص خدمات الأونروا، بالنظر لوضعها المالي فإن دول العالم ستجد نفسها أمام مسؤولية تعويض الفراغ الذي ستتركه الوكالة، التي كانت تعنى بتشغيل الشباب وتعليم الأطفال ودعم الفئات الهشة والعديد من الخدمات الاجتماعية التي تتطلب تقديم مساعدات مالية في ظل التداعيات الخطيرة، التي قد تنجم في حال عجز الوكالة عن تلبية حاجيات اللاجئين ،حيث قد يؤدي تقليص الحماية الانسانية الموجبة تجاه اللاجئين الفلسطينيين الى زيادة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتقويض قدرتهم على الصمود.

وبغض النظر عن “لغة الأرقام” التي تكشف عن تقليص المساعدات المالية الدولية لفلسطين، خلال السنوات القليلة الماضية بشكل كبير فإن الحقيقة الواضحة تفيد بأن منظومة المساعدات الدولية، في مجملها، ضرورة لا بد منها، وحان موعد البدء في تأطيرها في شكل سياسي واقتصادي دون شروط مسيسة تقيد تنظيمها.

ان الاستمرار في تقديم المساعدات للفئات المحتاجة مع تقليص خدمات الأونروا أمر يستحيل تحقيقه، وفي ظل العجز المالي الذي يعاني منه الاقتصاد الفلسطيني جراء الخناق والحصار الذي يفرضه الاحتلال على اغلب القطاعات التجارية، باتت المساعدات المالية الدولية ضرورة حتمية، بل هي جانب من المسؤوليات الدولية تجاه الشعب الفلسطيني، ربما قد تساهم في التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها قطاع غزة ومخيمات اللاجئين.

مريم بوغابة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close