النية والمعنى.. روجر وبستر

النية والمعنى
روجر وبستر
ترجمة ا.د. كاظم خلف العلي
استاذ اللسانيات والترجمة
كلية الآداب – جامعة البصرة
[email protected]
غالبًا ما يكون مقبولًا أن نية المؤلف مركزية لأي فعل تفسري من جانب القارئ جنبًا إلى جنب مع النظرة التقليدية لأسبقية المؤلف في الإنتاج الأدبي. ويمكن النظر إلى مسألة النية كواحدة من القضايا التي بدأت حولها النظرية الأدبية أو النقدية بتحدي مثل هذه الافتراضات، في الأقل في الدوائر الأمريكية والبريطانية.
عندما صاغ آي أي رݘاردز اصنافه النقدية في النقد العملي في محاولة لتنظيم قراءة الشعر، على الرغم من أنه يبدو أن انتباه القارئ ينبغي أن يركز بنحو أساس على النص المعني، كان المقترب ما يزال يركز في النهاية على نية المؤلف. لقد أصبحت فكرة معرفة أو تأسيس نية المؤلف، وأن هذه النية تفسر العمل الأدبي، إشكالية بنحو متزايد. لا يقدم معظم المؤلفين بيانات بالنوايا؛ في الواقع، لقد تجنب بعض الكتاب المعاصرين مثل صامويل بيكيت Samuel Beckett أو هارولد بنتر Harold Pinter الإدلاء بتصريحات عن أعمالهم عند إجراء المقابلات، كما لو أنه ليس لديهم حق أكثر من أي شخص آخر في التعليق عليها، ويبدو أنهم ينكرون أي مسؤولية بمجرد نشر الأعمال. وحتى عندما يكون لدينا بيان واضح للنوايا، لا تزال هناك مشاكل في قراءة العمل أو موضعته بنحو نهائي فيما يتعلق بالمؤلف. في أي مرحلة ينشأ مثل هذا البيان: قبل كتابة العمل، أثناء تأليفه، أو بأثر رجعي؟ هل نوايا دبليو اج أودن W. H. Auden فيما يتعلق بقصيدته إسبانيا Spain (1937) تغيرت بوضوح إذ اختار حذفها من مجموعات عمله في وقت لاحق من حياته. وفي حقبة ما بعد فرويد إذ قبلت المفاهيم عن أهمية الجانب اللا واعي لعقولنا بل ودوره الحاسم- خاصة فيما يتعلق بالجانب الإبداعي أو التخيلي من تفكيرنا- كيف يمكننا التأكد من أن نية المؤلف المعلنة هي النية الحقيقية؟ وحتى لو تمكنا من تحديد نية ما، أو معايير لما قد يشكل نية معينة، ما مدى موثوقيتها؟ تتمثل إحدى طرق النظر إلى “النية” كفئة في أنها تبدو وكأنها تبسط العملية الحاسمة في تحديد عمل ما في نقطة مصدر نهائية. إنه نهج وجودي، يعني أن هناك في نهاية المطاف حق، ومعنى صحيح ضمنيا يمكن للجميع في النهاية اكتشافه. وهذه طريقة مناسبة لترتيب المعرفة، وهي أيضًا طريقة لضمان استمرار بعض الأفكار، والأهم من ذلك، طرق فهم تلك الأفكار.
نشأت في أمريكا في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي، مدرسة للنقد الأدبي اصبحت تعرف باسم “النقد الجديد New Criticism”، وتتألف من “النقاد الجدد New Critics”. كان نهجهم في الأدب شكلانيا، وكان يُطلق عليه أحيانًا اسم بنيوي structrualist ولكن لا ينبغي الخلط بينه وبين الحركة اللاحقة التي نشأت بنحو رئيس في فرنسا في الستينات والمعروفة أيضًا باسم ” البنيوية Structuralism”- على الرغم من أن المصطلحين يشتركان في بعض المجالات.
وكما يوحي المصطلح، فإن الشكلانية formalism هي مقترب نقدي يهتم أكثر بالمشغل الأدبي وشكله أكثر من اهتمامه بالفنان: وكان يُنظر إلى معنى العمل بنحو متزايد على أنه يكمن في النص وليس في عقل المؤلف. ولم تكن “التجربة” هي تلك التي مر بها المؤلف في الأصل ثم نقلها بواسطة اللغة إلى قارئ ما، بل كانت موجودة في العمل الأدبي نفسه. ومن أجل تحويل التركيز من المؤلف إلى العمل، فقد كان المبدأ الرئيس لهذا المقترب النقدي يستند على مفهوم يسمى “المغالطة المتعمدة Intentional Fallacy” التي ترى أن نية المؤلف (بافتراض أنه يمكن إثباتها) لم تكن بالضرورة دليلاً لمعنى العمل: “المغالطة المتعمدة” هي عنوان مقال لاثنين من النقاد الجدد حيث جرى تأسيس هذا. وأحد أكثر التعريفات فائدة لهذا المفهوم موجود في كتاب رينيه ويلك Rene Wellek وأوستن وارين Austin Warren الموسوم ” نظرية الأدب Theory of Literature ” (1949).
إن الفكرة الكاملة القائلة بأن نية المؤلف هي الموضوع المناسب للتاريخ الأدبي تبدو، مع ذلك، خاطئة تمامًا. فمعنى العمل الفني لا يستنفذ أو يكافئ بواسطة نيته. فهو كنظام للقيم يقود حياة مستقلة(9).
وفي إزاحة المؤلف والقصدية intentionality، أنشأ هذا النوع من المقترب محورا جديدًا يتركز عليه انتباه القارئ: ليس المؤلف لكن العمل, أو النص. لقد كان هذا تحولًا مهمًا للغاية، في انه توقع موت المؤلف لدى بارت، وسمح بوضع المعنى في العمل بدلا من ذهن المؤلف. لقد انقطع مع ما يسمى أيضًا بـ “المغالطة الإنسانية the humanist fallacy” التي يشرحها تيري ايگلتون بالقول:
إن وجهة النظر هذه عن الأدب تميل دائمًا إلى العثور على صفتها المميزة- حقيقة أنه مكتوب- على أنها مزعجة إلى حد ما: فالطباعة، بكل تجردها البارد، تتداخل مع حجمها الصعب بيننا وبين المؤلف. لو تمكنا فقط من التحدث إلى سرفانتس مباشرة! مثل هذا الموقف “يزيل الطابع المادي” عن الأدب، ويسعى إلى تقليل كثافته المادية كلغة إلى اللقاء الروحي الحميم لـ “الأشخاص” الأحياء. إنه يتماشى مع الشك الليبرالي الإنساني في كل ما لا يمكن اختزاله على الفور في اللا شخصي، من النسوية إلى انتاج المصنع. فهو في النهاية لا يهتم بالنظر إلى النص الأدبي كنص على الإطلاق (10).
قد يُنظر إلى هذا التحول على أنه نوع من الثورة الكوبرنيكية النقدية في أن المعنى يدور الآن عن النص وليس المؤلف. ومع ذلك، فإن هذا النموذج النقدي فيه مشاكل أيضًا وكانت هناك تطورات أخرى بعيدًا عنه، كما سنرى.
كانت إحدى المشكلات هي أن العمل أو النص نفسه أصبح مرهقًا بنحو مفرط: لقد تحولت الوحدة العضوية للتجربة من خيال المؤلف إلى جماليات الشكل الأدبي ولا يزال هناك شعور بمعنى اساس ينبغي اكتشافه والذي ينبغي تحريره من النص. أصبح النص موحَّدًا، شيئا ونهاية في حد ذاته بدلاً من مجرد كونه نافذة شفافة للمؤلف. وعناوين الكتب النقدية التي تتبع هذا النهج موحية: “الآيقونة اللفظية “The Verbal Icon (1954)، و”الجرة المشغولة جيدا “The Well-Wrought Urn (1947) و “تجربة في الكلمات Experience into Words” (1953)، وهي تشير إلى أن الكلمات لا تزال ثانوية حقًا بالنسبة للتجربة أو المعنى الوارد في القصيدة- اللغة والمعنى لا يزال يُنظر إليهما على أنهما مناطق متميزة. وهناك ايضا اقتراح أن المؤلف لا يزال وراء كل هذا بنحو غير مباشر، ويؤتى به من الباب الخلفي، إذا جاز التعبير. ولا يزال هذا النموذج النقدي الشكلي يشير ضمنيًا إلى أن المعنى، إن لم تكن النية مباشرة، يقع في قلب العمل وأنه من الممكن إساءة قراءة العمل. إن فكرة سوء القراءة misreading بحد ذاتها إشكالية للغاية: كيف نؤسس قراءة “صحيحة” أو نهائية؟ كانت الطريقة التي قام بها النقاد الجدد بذلك هي تقديم حجة “مغالطة” أخرى دعمت موقفهم في الطرف الآخر من محور المؤلف– القارئ– النص، والتي حالت دون تفسير حر أو مفتوح. كان هذا يسمى “المغالطة العاطفية affective fallacy” التي قيل عبرها أن الاستجابات الذاتية والانطباعية لقصيدة ما لم تكن كافية وتتعرض لخطر تشويهات المعنى المنظم الذي يكمن في بنية النص الأدبي. إن سياق المعنى هو من ثم النص نفسه: علاقاته الداخلية للغة والشكل. ولقد هوجم هذا النموذج النقدي على أساسين. أولاً، إنه يقترح أن المعنى متسامي وكوني: إنه رؤية تاريخية للأدب لا تأخذ في الاعتبار الظروف المحددة للإنتاج والاستهلاك. ويعد التركيز على النص جماليًا في اهتمامه بالسمات الشكلية، وقد يكون من الصعب للغاية تحديد المناهج الجمالية تاريخيًا لأن العديد من الأفكار المرتبطة بها تتعلق بادعاءات عن خلود الحقيقة والجمال. و ثانياً، إن مفهوم التنظيم يعني ضمناً قوة منظمة. فمن أو ما هو المنظم organizer؟ لا تنشأ النصوص الأدبية بالتأكيد من فراغ غير شخصي. وفيما يخص النقاد الجدد، كانت هذه معضلة. ففي حالة إنكار نية المؤلف والتوكيد على النص، من يتحكم في ردود القارئ؟ لقد تم التفاوض على المشكلة بواسطة أفكار مثل “العلاقات الاجتماعية” للنص، إذ سيكون القارئ قادرًا على ضبط ما يعنيه المؤلف حتى لو لم تكن نية المؤلف واضحة أو ذات علاقة، بحيث يكون المهم هو الطريقة التي يمكن بها للقارئ اللاحق أن يفهم العمل الفني في لحظة اكتماله على هذا النحو. هذه وجهة نظر مثالية للغاية عن الأدب، و تعني أنه يمكن اكتشاف نص كامل ومعه معنى مثالي، وتتجاهل حقيقة أن الأعمال الفنية تغير معانيها بطرق مختلفة، ولا سيما في سياقات تاريخية مختلفة. ويبدو أن النقاد الجدد يريدون انموذجًا نقديًا له كلا الاتجاهين في أنه في التخلي عن المؤلف أو في الأقل النية- كمصدر للسلطة، كان المعنى الأساس الوارد في النص، مثل نواة الحقيقة، لا يزال موضوع دراسة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close