الاستعمار المقنع الحديث وكيف ان العراق وقع فريسة له؟

بقلم: البروفسور الدكتور سامي آل سيد عگلة الموسوي

عند نهاية الحرب العالمية الثانية انتهت حقبة الاستعمار العسكري للدول ولكن بدأت حقبة استعمارية اخبث من الأولى وقد سميت هذه الحقبة بالاستعمار الجديد أي Neocolonialism حسب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ١٩٥٦ والتي ناقشها بتفصيل البروفسور افرام تشومسكي الأستاذ في معهد ماشاتسوستس في كتابه (اتصال واشنطن والفاشية في العالم الثالث ١٩٧٩) ثم تمت مناقشتها من قبل علماء الغرب وامريكا.

الاستعمار الجديد وحسب ما وصفه الثائر الارجنتيني (تشي جيفارا) ١٩٦١ بشكل دقيق هو فرض التبعية على الدول وذلك بتدمير اقتصاداتها وإخضاع ما لديها من موارد لتداعيات معقدة تجعلها تعتمد بشكل مباشر على غيرها. ومن اهم وسائل تحقيق ذلك هو افساد مؤسساتها الحكومية وجعلها خاضعة بشكل مباشر للتدخل الأجنبي والإصرار على جعلها بيد العناصر الفاسدة وغير الكفؤة بل وافراغ تلك البلاد من العقول والكفاءات لكي تبقى رهينة الاستعمار الجديد. هذا هو نفس الأسلوب الذي اعتمدته أمريكا والصهيونية في العراق وكما ان الاستعمار البريطاني القديم جاء بحجة التحرير فأن الاستعمار الجديد جاء بكذبة الديمقراطية لكي يحقق اضعاف البلد واغراقه بمشاكل معقدة كان ولايزال أهمها الفساد وانعدام الكفاءة والتبعية.

والاستعمار الجديد لا يفرق عن القديم في إمكانية استخدام عناصر دول أخرى لتحقيق الهدف منه. فمثلا كان الاستعمار البريطاني يستعين بجنود هنود (من الهند) في العراق لأداء مهمات معينة قد تثير غضب العراقي مثل جباية الضرائب فالبريطاني يبعث الهندي لاستحصال الضرائب من التجار وأصحاب المحلات ليذهب هذا الأخير للشكوى من الهندي عند البريطاني متذمرا من أسلوبه فيأخذ البريطاني المواطن العراقي المشتكي على الهندي بالأحضان ويعده بأنه سوف يحاسب الهندي ولكن ما ان يخرج العراقي حتى يضحك الهندي والبريطاني وهما يشربان نخبهما معا ويأخذ الأخير من الهندي ما استحصل من العراقي! هكذا! اما استعمار اليوم فهو قائم على نفس الأسس وبشكل ادهى أي ان الأمريكي الصهيوني سلم العراق للإيراني الفارسي ودس في البلد السم البريطاني المعروف (فرق تسد) واتفقت مصلحة الأمريكي مع الفارسي حول إبقاء العراق ضعيفا ومفككا و كلاهما ينهش في جسد العراق والاثنين يريدان إبقاء الفساد والفاسدين والنظام الفاشل والاثنان يشربان نخب العراق معا وهذا هو الاستعمار الذي تكلم عنه (جان بول سارتر) و (تشي جيفارا) و (ثوار ثورة تشرين وثورة العراقيين المستمرة) والتي تريد أمريكا وايران كلاهما لطمسها وعدم تحقيق أهدافها وهذا ما نلاحظه واضحا في تصريحاتهم وتصريحات المؤسسات المرتبطة بهم مثل (يونامي). وما دعواهم المستميتة للحوار بين الظالم والمظلوم والسارق والمسروق والقاتل والقتيل الا دليل مباشر وقوي على ذلك لانهم يعلمون علم اليقين انهم مشتركون بقتل هذا الشعب وابقائه تحت نظام فاسد هم انفسهم وضعوه.

والاستعمار الحديث يحقق هيمنة اقوى على الدول من الاستعمار القديم لان الدول المستعمرة تحقق ذلك دون ارسال الجيوش او ارسالها ان تطلب الامر لسحق الدولة اذا كانت قوية مثل العراق ثم سحب الجيوش منها ولكن إبقاء الهيمنة بطرق مختلفة. ويعرف هذا الاستعمار كذلك بالاستعمار المقنع والذي يشمل التكنولوجيا والاقتصاد والتعليم والصحة والموارد الأخرى وجعل ما هو متاح صعب المنال مثل الكهرباء في العراق.

والسؤال هو لماذا العراق بالذات؟ السبب بسيط جدا لأن العراق يمتلك الموارد الكبيرة والمتكاملة بالإضافة للعقول والمتخصصين كل في مجال عمله وقد حقق قفزة نوعية مهمة لم ترق للمستعمرين والصهيونيين خاصة بعد قرار تأميم النفط ودخول العراق في خطط تنموية خمسية في بداية السبعينات والثمانينات مما كان يتيح له التحرر التام من الهيمنة الامبريالية الجديدة والدخول في طور البلدان المتطورة بما في ذلك تحقيق تقدم كبير في مجال الصناعات الثقيلة والخفيفة والتنمية الزراعية والعلمية والتطور الصحي والتعليمي والبحثي. وهذا كان احد الأسباب المباشرة بدفع الحرب بين العراق وايران للاستمرار ثم ادخال العراق في حرب عام ١٩٩١ والحصار الذي تلته حرب ٢٠٠٣ وما تلا ذلك من استعمار معقد ومتعدد الوجوه. ومن اهم اهداف هذا الاستعمار هو جعل الدولة فاشلة والحكومة التي تحكمها ضعيفة والجيش الذي يحميها ضعيفا بل وتتحكم فيه ميليشيات هي اقوى منه وسلخ الوطنية عن ذلك الجيش بحجة ابعاده عن السياسة. وأخيرا وليس اخرا تعمد الأجهزة الاستعمارية الجديدة على تجهيل الشعوب لكي تبقيها تحت السيطرة ولذلك علينا توعية الناس لكي يتحقق الهدف من الثورة ضد الظلم والطغيان والفساد والتبعية والاستعمار الجديد فاذا وعى الشعب لا يمكن لقوى الشر والظلام ان تخيفه ولا يمكن للقيود ان تكبله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close