هل تنجو رئيسة الوزراء الفنلندية من سياسة ليّ الاذرع؟

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

من المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية الفنلندية المقبلة في 2 نيسان 2023. وكلما اقترب الموعد تفننت الأحزاب في استخدام أساليب تدخل في باب ما يعرف بليّ الاذرع، للإضرار بالمنافسين والاطاحة بهم. وهذه الأساليب تروق أساسا للصحف الصفراء التي تجنّد أكفأ صحافييها للبحث عن صورة، او حتى فيديو، أو حادث ما يصلح لنفخه والمبالغة به حتى يرتدي ثياب الفضيحة فيزيد الاشتراكات والمبيعات ويجلب الأموال بغض النظر عن المعايير الأخلاقية والصحفية. وما تتعرض له حاليا رئيسة وزراء فنلندا، سانا مارين (36 سنة)، يأتي كجزء من حرب متواصلة تحركها أصابع خفية تصب في أجندة هذا الحزب أو ذاك بحيث صارت جزءاً من ثقافة البلد السياسية.

في عام 2003 فقد الحزب الاجتماعي الديمقراطي الصدارة في التصويت لصالح حزب الوسط أثر ما عرف بالورقة العراقية، حين كشفت أنيلي يانيميكي زعيمة الوسط، في مناظرة تلفزيونية قبيل غلق صناديق الاقتراع، عن تعهدات قدمها منافسها بافو ليبونين، رئيس الوزراء وزعيم الاجتماعي الديمقراطي للجانب الأمريكي لدعم غزو العراق، وليقطف الوسط فوزا كبيرا وتكلف زعيمته بتشكيل الحكومة.

لم يسكت الاجتماعي الديمقراطي رغم خسارته، وإثر حملة إعلامية، يمكن للمتابع التكهن بمحركها، ظهرت تساؤلات عن تسرب محاضر اللقاء بين رئيس الوزراء الفنلندي والرئيس الأمريكي جورج بوش الابن. فتم استدعاء زعيمة حزب الوسط ورئيسة الوزراء للمساءلة أمام البرلمان فاضطرت للكشف عن ان المحاضر وصلتها بشكل غير قانوني، مما عد مخالفة دستورية واخلاقية. وتحسبا للدعوة للتصويت على سحب الثقة وسقوط الحكومة والذهاب لانتخابات جديدة غير مضمونة النتائج، اضطر حزبها بعد ثلاثة شهور فقط من الفوز، لاستبدالها بوزير المالية ماتي فانهاينين، الذي تولى رئاسة الحكومة وقيادة الحزب أيضا، والذي قاد الوسط للفوز في انتخابات 2007، لكنه سرعان ما أطيح به من موقعه اثر حملة إعلامية كشفت عن كونه خلال رئاسته رابطة شباب حزب الوسط (1980 ـ 1983) استغل منصبه واستخدم مواد إنشائية تعود الى مؤسسة دعم الشباب لبناء بيته. ترافق ذلك مع صدور كتاب فضائحي لإحدى عشيقاته جلب له انتقادات من مؤسسات تربوية وسياسية كونه شخصية اعتبارية، فأجبره حزبه على التنحي عن مواقعه.

بعد انتخابات 2019، التي فاز فيها الحزب الاجتماعي الديمقراطي، وشكل الحكومة زعيمه أنتي رينيه، وبعد عدة شهور فقط، اضرب عمال البريد مطالبين بتحسين ظروف عملهم ومرتباتهم. فأتهم حزب الوسط رئيس الوزراء بسوء إدارة الازمة، وتصاعدت الأصوات لمساءلته امام البرلمان والتهديد بسحب الثقة من الحكومة. فاضطر الاجتماعي الديمقراطي لإجراءات استباقية حيث انسحب رينيه من رئاسة الحكومة لصالح نائبته سانا مارين التي أصبحت أصغر رئيس وزراء في العالم حينها، وتولت لاحقا زعامة الحزب أيضا.

لم يسكت الاجتماعي الديمقراطي على ما حصل، فبعد فترة قصيرة، تسربت معلومات كشفت ان زعيمة الوسط ووزيرة المالية السيدة كاتري كولمني تنفق أموالا من خزينة الدولة لأغراض استشارات إعلامية اعتبرت شخصية، فاضطرت للتنحي لتحل محلها أنيكا ساريكو، زعيمة الوسط ووزيرة المالية الحالية.

ان وجود سانا مارين الشابة، التي أصبحت أشهر سياسي فنلندي في العالم، على رأس الحكومة والحزب الاجتماعي الديمقراطي، جذب بشكل واضح دعم الكثير من المناصرين لحزبها، خصوصا من النساء والشباب. فتقدم الاجتماعي الديمقراطي في استطلاعات الرأي على اغلب الأحزاب، خصوصا حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (اليمين التقليدي)، الذي استغل وقائع ملف تقديم فنلندا لعضوية الناتو للترويج لكونه من أقدم الداعين للانضمام للناتو، وان الأيام اثبتت صحة سياساته، ما جعله يعود لموقع الصدارة في استطلاعات الرأي.

وفجأة تنتشر تقارير عن استغلال ويلي ريدمان الزعيم الشاب في الحزب اليميني لموقعه السياسي للوصول إلى الشابات في الحزب، فضجّت وسائل الاعلام الصفراء بالكثير من القصص التي اضرت كثيرا بسمعة الحزب وأربكت قياداته.

ويبدو ان قوى اليمين لم تسكت عن محاولة الاضرار بسمعة الحزب وكوادره والتأثير على التصويت، إذ لم تهدأ الضجة بعد، التي أجبرت الشرطة على فتح تحقيق في الامر، حتى تسربت فيديوهات وصور لرئيسة الوزراء الشابة وهي تحتفل وترقص بشكل صاخب مع أصحابها، ما دعا البعض لاتهامها بالتقصير في عملها واهماله. بل وذهب البعض للإيحاء بتناولها المخدرات، ما اجبرها على إجراء الفحص الذي ظهرت نتائجه سلبية، وجعلها تتحدث للناس وناخبيها باكية بأنها لم تلجأ الى المخدرات حتى في أيام مراهقتها، وأنها تعامل بصورة ظالمة، فتصاعدت حملة تضامن معها خصوصا بين النساء والشباب كونها انسانة لها الحق بممارسة حياة طبيعية.

وهكذا كلما يقترب موعد الانتخابات، يزداد ترقب الشارع لفضائح جديدة لهذا السياسي أو ذاك، يجري استغلالها ضده وبالتالي ضد حزبه، فهو الهدف الأساس، وان لعبة ليّ الاذرع والضرب تحت الحزام ستزداد ضراوة كما يبدو، خصوصا وان حزب اليمين يتطلع بقوة هذه المرة للفوز في الانتخابات.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close