اشتباكات دامية في بغداد.. هل يتجه العراق إلى حرب طائفية؟

رمضان وهدان

تسارعت الأحداث في العراق خلال الساعات الماضية بما يوحي بأنّ البلد يسير بخطى ثابتة نحو حرب أهليّة. هذه الحقيقة كشفت عنها التسريبات التي وزعت أخيرا بصوت رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ،والتي تعكس بالفعل نمط تفكيره ودرجة تعصّبه… فضلا، في طبيعة الحال، عن مدى ولائه لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران؟
الانسداد السياسي المستمرّ الذي يشهده العراق منذ تسعة أشهر، جعل رائحة مثل هذه الحرب تبدو نتيجة طبيعية، كما ترجم عجز الأطياف السياسية عن الاتفاق على تشكيل حكومة انتخاب رئيس للجمهورية. حيث يعمد التيار الصدري أكبر القوى السياسية في البرلمان السابق، فرض رؤيته على خصومه.
وجاء اقتحام مئات المتظاهرين للبرلمان العراقي، في استعراض جديد لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ليزيد الضغط على خصومه السياسيين.
ويعيش العراق مأزقا سياسيا بعد عشرة أشهر من الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في تشرين الأول/أكتوبر 2021، حيث عجزت التحالفات عن الاتفاق حول انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ولا تكليف رئيس جديد لتشكيل الحكومة.
اشتباكات عنيفة
ووسط هذه التعقيدات بالمشهد السياسي، اندلعت اشتباكات عنيفة في بغداد أسفرت عن مقتل نحو 20 شخصا يوم الاثنين بعد أن قال رجل الدين الشيعي القوي مقتدى الصدر إنه سيترك السياسة مما دفع الموالين له إلى اقتحام قصر حكومي والقتال مع جماعات منافسة.
ومع حلول الليل، دوت نيران المدافع الرشاشة والانفجارات، مع ارتفاع نيران التتبع في السماء فوق المنطقة الخضراء التي تضم مقرات حكومية وسفارات أجنبية، في أسوأ قتال تشهده العاصمة العراقية منذ سنوات.
وجاء ذلك بعد يوم من العنف أثاره إعلان الصدر أنه سينسحب من كل نشاط سياسي وهو قرار قال إنه جاء ردا على فشل زعماء وأحزاب شيعية أخرى في إصلاح نظام حكم فاسد ومتحلل.
وأغلقت إيران حدودها وحثت مواطنيها على مغادرة العراق بينما يجوب المقاتلون شوارع العاصمة، وسط جهود تبذلها الفصائل الموالية لإيران والموالية لرجل الدين العراقي الصدر لتخفيف التوترات التي امتدت ردا على قرار الصدر بالخروج من السياسة.
وجاءت الخطوة الإيرانية في الوقت الذي يستعد فيه ملايين الإيرانيين لزيارة العراق لأداء رحلة حج سنوية إلى مواقع شيعية. وفي الوقت نفسه، حثت الكويت مواطنيها في العراق على مغادرة البلاد وشجعت أولئك الذين يأملون في السفر إلى العراق على تأخير خططهم.
وقال الصدر في وقت لاحق إنه كان ينظم إضرابا عن الطعام احتجاجا على استخدام الأسلحة من قبل جميع الأطراف.
ودفعت المواجهة السياسية بين الصدر ومنافسيه الشيعة المدعومين في الغالب من إيران العراق إلى جولة أخرى من العنف في الوقت الذي يكافح فيه للتعافي من عقود من الحرب والعقوبات والصراعات الأهلية والفساد المستشري.
ومنذ عام 2003، انخرطت الجماعات العراقية في صراع طائفي، وفي الآونة الأخيرة، في منافسة سياسية داخل الطائفية وداخل العرق.
وتضع الجولة الأخيرة من العنف أنصار الصدر، الذين يشملون ميليشيا مدججة بالسلاح، في مواجهة القوات شبه العسكرية المتنافسة المتحالفة مع إيران وقوات الأمن.
توترات متراكمة
وظهر فوز الصدر في انتخابات أكتوبر تشرين الأول ومحاولاته تشكيل حكومة خالية من الجماعات المدعومة من إيران وانسحابه في نهاية المطاف من البرلمان لصالح احتجاجات الشوارع واحتلال المباني الحكومية لمنع النشاط السياسي في تراكم التوترات التي اندلعت أخيرا إلى أعمال عنف جديدة يوم الاثنين.
وقال مسؤولون أمنيون إن بعض الاشتباكات وقعت بين مقاتلي سرايا السلام التابعة للصدر وأفراد من قوات الأمن العراقية المكلفة بحماية المنطقة الخضراء، لكن من المرجح أيضا أن تكون الميليشيات المتحالفة مع إيران قد شاركت فيها.
ولم يتسن لرويترز التحقق بشكل مستقل من الذي أطلق النار على من مساء الاثنين.
انسحاب الصدر
وكان الصدر قد أعلن في وقت سابق من اليوم أنه سيترك السياسة. وقال على تويتر “أعلن بموجب هذا انسحابي النهائي” منتقدا زملاءه من الزعماء السياسيين الشيعة لفشلهم في الاستجابة لدعواته للإصلاح.
واقتحم الموالون للصدر الذين كانوا يحتلون مبنى البرلمان منذ أسابيع مقرا حكوميا في المنطقة الخضراء التي كانت ذات يوم قصرا للديكتاتور صدام حسين حيث قفز بعضهم إلى حمام سباحة في القصر وهم يهتفون ويلوحون بالأعلام.
ثم وقعت اشتباكات بين شبان موالين للصدر وأنصار الميليشيات الموالية لإيران، الذين رشقوا بعضهم البعض بالحجارة بالقرب من المنطقة الخضراء، قبل القتال المسلح الليلي.
وقتل 17 شخصا على الأقل وأصيب العشرات، بحسب الشرطة والعاملين في المجال الطبي.
وأعلن الجيش العراقي حظر تجول مفتوح على مستوى البلاد وحث المحتجين على مغادرة المنطقة الخضراء.
وكان الصدر الذي حظي بدعم واسع من خلال معارضة النفوذ الأمريكي والإيراني على السياسة العراقية أكبر فائز في انتخابات أكتوبر تشرين الأول لكنه سحب جميع نوابه من البرلمان في يونيو حزيران بعد أن فشل في تشكيل حكومة استبعدت منافسيه ومعظمهم من الأحزاب الشيعية المدعومة من طهران.
وأصر الصدر على إجراء انتخابات مبكرة وحل البرلمان. ويقول إنه لا ينبغي لأي سياسي كان في السلطة منذ الغزو الأمريكي في عام 2003 أن يشغل منصبه.
اتهامات متبادلة
ويشعر كثير من العراقيين بالقلق من أن تحركات كل معسكر شيعي قد تؤدي إلى صراع أهلي جديد.
وقال شهود عيان إن شوارع بغداد ظلت مهجورة إلى حد كبير صباح الثلاثاء. وقال سعود منصور، أحد سكان غرب المدينة “هناك الكثير من إطلاق النار في المنطقة الخضراء وبالقرب منها”، مضيفا “لقد رأينا شاحنات التيار الصدري في منطقتنا، لكنها لا تتوقف. إنهم يتوجهون إلى منطقة البرلمان”.
وقد استحضرت صور شاحنات مدافع الميليشيات التي تجوب شوارع البلاد صورا لذروة الحرب الأهلية في البلاد، والتي لم يتمكن خلالها الجيش الوطني ولا الجيش الأمريكي المحتل من احتواء سنوات من العنف الطائفي الوحشي، الذي كان فيه جيش المهدي التابع للصدر بطلا رئيسيا.
وقال أحمد كردي، 36 عاما، وهو تاجر تجزئة من شرق بغداد “لديهم أوراق اعتماد قومية الآن، أو هكذا يقولون، ولكن إذا استمرت هذه المعركة في التطور ، فإنها تصبح شيئا أكبر مما يمكنهم السيطرة عليه”.
وقال كاظم هيثم، أحد مؤيدي الصدر “جاء الموالون (لإيران) وأحرقوا خيام الصدريين، وهاجموا المتظاهرين”.
وفي المقابل، ألقت جماعات موالية لإيران باللوم على الصدريين في الاشتباكات ونفت إطلاق النار على أحد. وقال أحد أعضاء الميليشيا ، الذي رفض الكشف عن هويته بالاسم “هذا ليس صحيحا – إذا كان شعبنا يمتلك بنادق فلماذا يحتاجون إلى إلقاء الحجارة؟”.
مشهد متكرر
وانسحب الصدر من السياسة والحكومة في الماضي كما حل الميليشيات الموالية له. لكنه يحتفظ بنفوذ واسع النطاق على مؤسسات الدولة ويسيطر على جماعة شبه عسكرية تضم آلاف الأعضاء.
وكثيرا ما عاد إلى النشاط السياسي بعد إعلانات مماثلة، على الرغم من أن الجمود الحالي يبدو أصعب في حله من فترات الخلل الوظيفي السابقة، وأعطى العراق أطول فترة له بدون حكومة.
واقتحم أنصار رجل الدين الزئبقي المنطقة الخضراء لأول مرة في يوليو تموز. ومنذ ذلك الحين، احتلوا البرلمان، وأوقفوا عملية اختيار رئيس ورئيس وزراء جديدين.
وأعلن مصطفى الكاظمي، حليف الصدر، الذي لا يزال رئيسا للوزراء المؤقت، إيقاف اجتماعات مجلس الوزراء حتى إشعار آخر بعد أن اقتحم المحتجون المباني الحكومية وناشد الصدر علنا التدخل لوقف العنف.
ويكافح العراق، ثاني أكبر منتج في أوبك، للتعافي منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في 2017 لأن الأحزاب السياسية تصارع على السلطة وثروته النفطية الهائلة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close