لعبة الاتاري في العراق المحتل

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

سقطت الأندلس يوم أحرقت كتب ابن رشد، وبدأت نهضة أوروبا يوم وصلتهم أفكاره! أول قاعدة حولت الإسبان والأوربيون صوب النور، مقولته التي حسمت العلاقه مع الدين: (الله لا يمكن أن يعطينا عقولاً، ثم يعطينا شرائع مخالفه لها)، أما القاعدة الثانية،فهي مقولته التي حسمت التجارة بالإديان:التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردت التحكم في جاهل، لا عليك إلا أن تغلف كل باطل بغلاف ديني).. وعلى ضوء ذلك أصدر رجال الدين فتاواهم بحرق جميع كتبه، خوفاً من تدريسها لما تحتويه من مفاسد وگفر وفجور وهرطقة (على حد قولهم)، وبالفعل زحف الناس إلى بيته، وحرقوا كتبه حتى أصبحت رماداً. حينها بكى أحد تلامذته بحرقة شديدة.. فقال ابن رشد جملته الشهيرة:يا بني، لو كنت تبكي على الكتب المحترقة فاعلم أن للأفكار أجنحة، وهي تطير بها إلى أصحابها، لكن لو كنت تبكي على حال العرب والمسلمين، فأعلم أنك لو حولت بحار العالم لدموع لن تكفيك.

لماذا ترك اجتماعت القمة في القاهرة

تشير العلومات المسربة من اجتماعات القاهرة الاخيرة(الاردن ومصر والعراق والامارات) ،ان الكاظمي اعتذر عن الاستمرار بتواجده بالاجتماعات بحجة الازمة التي حدثت في المنطقة الغبراء ،في حين ان السبب الحقيقي كما ذكر ان الكاظمي جنب نفسه الاحراج والمسؤولية ،عندما ناقش المسؤلين في الاجتماعات قرار نشر قوات مصرية على طول الحدود بين سوريا والاردن،حيث تحسب الكاظمي لان يواجه انتقادات لاذعة من نظام طهران وذيوله في العراق المحتل،فيما لو كان حاضرا الاجتماع ولم يعترض على القرار.

الصدر راجع بلون اخر

اعتقد كثيرون من المتابعين ان كاظم الشيرازي (الحائري) الذي وجه رسالة تعلن اعتزاله عن المهام الحوزوية وطلب فيها من جميع مقلديه ان يتبعوا ولي الفقيه خامنائي وفقا لما نشرته وسائل الاتصال ،واعتبروا هذا القرار او التوجيه او الفتوى بمثابة عزل لمقتدى الصدر او سحب البساط من تحت قدميه ،الذي قرر هو الاخر الاعتزال،ولكن الذي نتوقعه ان مقتدى الصدر الذي يلقى الدعم من نسبة لايستهان بها من العراقيين البسطاء ،سوف يقدم نفسه خلال الفترة القريبة القادمة ليس بصفته المذهبية ،بل كرجل سياسي يقود مشروع،وهذا يعني ان من يفكر بحلحلة اللازمات وايجاد مقتربات لحلها من جماعة الاطار،سيجدون انفسهم امام اصرار من الصدر على ان يثبت لهم بأنه اللاعب الاساسي ضدهم،بمعنى ان كرة الثلج المتدحرجة ستكبر ،ناهيك عن الجهد الذي يبذله التشرينيون في توحيد صفوفهم ،وتفعيل حضورهم على الساحة العراقية،كونهم اكثر اللاعبين المقبولين لدى الشعب العراقي الواع، علما ان ثوار تشرين الحقيقيين يعدون عدتهم الاكثر تنظيما ،لعمل شعبي سلمي مليوني بداية الشهر القادم،وربما سيترتب على هذا العمل الكبير والمهم نتائج اخرى ،مع ملاحظة امكانية قيام جماعة الصدر بتظاهرا او اضرابات قبل الاول من تشرين القادم وقد تؤثر بشكل او بآخر على مخطط التشرينيون؟!!!

لعبة الاتاري بين ملالي ايران وبريطانيا

من تدرس اساليب بريطانيا في تحقيق اهدافها السياسية والاقتصادية وغيرهما يدرك تماما انها تستخدم الادوات الناعمة وتحرك بيادقها بنفس طويل وهذا الاسلوب، يستخدمه كل من كان لبريطانيا دور في وصولهم لادارة الدول،وهذا مانلاحظه بمايقوم به نظام طهران في العراق وغيره، وقد يعتقد كثيرين خطأ ان هناك تناقض بسياسات واهداف الملالي وبريطانيا،والحقيقة ان هناك جوانب كثيرة يلتقيان بها الطرفان دون ان نبعد التقاء وتماهيها مع ماتريده امريكا من المنطقة.معروف ان بريطانيا اكثر الدول معرفة وتجربة وخبرة من غيرها من الدول الاستعمارية،وهذا ماجعل الولايات المتحدة تسلم ادارة الملفات الساخنة لبريطانيا وتحديدا في الدول التي شهدت تغول فارسي خطير وفي مقدمتهم العراق بعد احتلاله،بريطانيا وامريكا لم ولن يمانعوا من الوجود الفاعل لنظام طهران في كل هذه الدول طالما انه لايخرج عن اطار التخادم بينهم ،الا ان الذي يحصل ان ملالي طهران وذيولهم ،يتجاوزون احيانا الخطوط الحمراء البريطانية والامريكية ،ويحرجون المسؤولين في دولتي الاحتلال ،الامر الذي اوجد مبررات لدخول بريطانيا على الخط الساخن ليس لانهاء التغول الفارسي في العراق تحديدا وغيره ولكن لاعادة رسم الحدود المسموح لنظام الملالي التحرك داخلها.ومن يتابع بدقة تفاصيل مايحدث يوميا يقتنع تماما ان بريطانيا ونظام طهران يمارسان تحريك ادواتهم وعملائهم وكأنهما يمارسان لعبة الاتاري في العراق.

ابعدو الدين ومدعيه عن السياسة في العراق

تعلمنا في مجتمعاتنا ان احترام رجل الدين هو من القيم والمبادئ السامية مثلها في ذلك مثل قيم احترام الوالدين والمسن الكبير والمرأة.. إلخ، وغير ذلك من قيم انسانية ودينية ،ان العلاقة بين الديني والسياسي علاقة يغلب عليها طابع الجدل ففي كثير من الاحيان يمتد ما هو ديني الى مجال ما هو سياسي ويترتب عن ذلك النظر الى شؤون البلاد والعباد بما تقتضيه مصلحة الاحزاب او الجماعة الدينية ورجالاتها واحيانا يمتد ما هو سياسي الى مجال ما هو ديني ويتم التعاطي مع الدين وموضوعاته وفقاً لمصلحة رجل السياسة فلا بد اذن من ترتيب العلاقة بين مجالي الديني والسياسي بشكل يحفظ للدين من جهة جوهره الروحي والاخلاقي والانساني مع العلم ان جوهر الدين كيفما كان هو بسط قيم السلم والمحبة بين الناس جميعا ومن جهة ثانية يحفظ للسياسة السليمة شأن تدبير امور البلاد والعباد بما يتطلبه الواقع والمصلحة العامة فلا بد اذن ان يلزم كل طرف في هذه المعادلة حدوده ولا يتعداها بصيغة مباشرة فيجب التمييز بين ما يدخل في نطاق الدين وما يدخل في نطاق التدبير السياسي ان هذا الطرح المنطقي لا يستهوي الكثيرين فيعتبره من قبيل تركيب الجمل او تفسير الماء بالماء فما اصعب ان يتحقق فعلاً .
اعتقد كثير من المراقبين خطأ أن رجال الدين العراقيين انفصلوا عن المشاركة السياسية التي يعتقدونها في تناقض صارخ مع إيران.لكن منذ عام 2003،يؤدي رجال الدين دورا سياسيا بارزا في تشكيل دولة وحكومات ما بعد الاحتلال، خاصة أنهم كانوا أعضاء في لجنة الكتابة الدستورية، وتولوا مناصب عامة، وعندما بدأ العراق في إجراء الانتخابات، في عام 2005، تم دعم بعض القوائم، كما كان لهم نشاط واسع ومؤثر في الحراك السياسي العراقي؛ وكان أشهر محطات ذلك النشاط هو أن المؤسسة الدينية أصدرت دعوة ملزمة دينيًا بحمل السلاح، في عام 2014، لمحاربة داعش،وكان المفروض ان هذه الدعوى ظرفية تنتهي بأنتهاء مبرراتها،ان الذي انكشف لاحقا ان الغاية منها لم تكن مواجهة وضع استثنائي بل عمل خطط له لانشاء قوة عسكرية تابعة لايران ،وتمول من ميزانية الدولة شاءت ام ابت،ورغم الادعاء انها جزء من القوات المسلحة تشريعيا،الا انها في الواقع لاتأتمر الا بأوامر من طهران مثل بقية المليشيات المسلحة الاخرى أيا كان اسمها ومن مسؤول عنها،رغم زوال اسباب ومبررات وجودها.لانها اصبحت عبئ على العراق واهله.

وأدى هذا الموقف غير الواضح إلى عدم حدوث توافق بين نخبة رجال الدين وتوقعات الشيعة والجمهور العراقي الأوسع. وفي الاحتجاجات الأخيرة بـالعراق، كان العديد من المواطنين يأملون في الحصول على الدعم الديني، لكن قابلتهم خيبة الأمل بسبب عدم تفاعل الرموز الدينية الشيعية ،بما فيها الرساله الاخيرة من مكتب السيستاني التي ،لم تعط موقفا صريحا وواضحا ينصف الشعب وقواه الوطنية،بل جاءت في اغلبها كلام عام وتمنيات،غير ملزمة لمن عاثوا في الارض فسادا وقتلا وتخريبا،ويبدو ان المؤسسات الدينية في العراق غير منزعجة من العملية السياسية واهلها!!!

الاحتلال والمؤسسات الدينية

لا جدل في اختلاف الرؤية السياسية لكل من المرجعية الدينية في العراق وطهران، لكن هناك أسبابا كثيرة تجعل من اتحادهما ضرورة عندما تواجه أي منهما بتهديد خارجي وهذا ما لاحظناه في رسالة ، كاظم الشيرازي الاخيرة ،وبغض النظر عن كون السيستاني ينتمي لمدرسة مختلفة عن رجال الدين الذين يحكمون إيران فإنه يرى أن أي تهديد لجمهورية ايران الإسلامية تهديدا للإسلام الشيعي.

وتحاول جهات عربية واجنبية المساهمة لايجاد بيئة حوزوية اخرى في العراق بعد احتلاله ،وربما كان بروز نجم الصدر وارتفاعه بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث كان في أوائل العشرين من العمر، وانتقد المرجعية الدينية في النجف، التي أطلق عليها (المدرسة الصامتة)، وكان يريد من السيستاني أن يقود ثورة كما فعل الخميني، لكن رؤية السيستاني كانت مختلفة، لان حرصه كان ينصب على هذف مهم جدا له وهو أن يستلم الشيعة الحكم في العراق من خلال عملية سياسية .

عراق قوي وحر وموحد

كان تدخل النظام في طهران في الشؤون الداخلية للعراق وسيبقى مصدر استياء ورفض من قبل العراقيين ، وتطالب الغالبية المطلقة من الشعب العراقي أن تكون العلاقات مع نظام طهران قائمة على مبدأ حسن الجوار، ويرفضون ان يكون بلدهم مسرح للمماحكات بين امريكا وبريطانيا من جهه ونظام الملالي رغم ان الجميع يعلم نوع الصلات العميقة التي تربط بين الملالي وامريكا وبريطانيا وحكام طهران يعلمون علم اليقين انهم لم يكونوا يصلون الى حكم الشعوب في ايران لولا الدعم الاستثنائي الأمريكي البريطاني الفرنسي.

ان الشعب العراقي يناضل ويضحي من اجل استعادة وطنه وعلى نظام طهران وأمريكا وبريطانيا وغيرهم احترام رغبة العراقيين ، فنحن نريد العراق الموحد البعيد عن سلطة رجال الدين ومنهجهم الطائفي، وتكون الهوية الوطنية الموحدة هي الحل لكل المشكلات ، دون تدخل من اي طرف اجنبي،وفي نهاية المطاف، يتعين على كل رجال الدين التكيف مع المطالب الشعبية التي تتجه الآن نحو “دولة علمانية” وبعكسه ستخاطر بفقدان كل مكتسباتها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close