كر وفر.. ومصفقون

عبدالمنعم الاعسم

في السياسة الكثير من اللُعب، المسلية والمثيرة للضجر، ويقولون ان السياسة  نفسها لا تعدوعن لعبة، يخسرها عادة (هكذا يقولون) المهرة الذين يثقون بمقولة “لا يصح إلا الصحيح” ويكسبها من يجيد استغلال الظروف وغفلة الخصوم، والادق، من يعرف متى يهرب ومتى يغير.. والهرب والاغارة، ثم الاغارة والهرب، هما ما تعنيهما لعبة الكر والفر المعروفة في الحروب، وفي السياسة، وفي معاملات السوق، والعلاقات العاطفية.

يتحدث الجاحظ عن لعبة الكر والفر من خلال المشهد التالي: “القط يراقب الفارة،  فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها، وربما خلى سبيلها، وأظهر التغافل عنها فتمعن (الفارة) في الهرب، فإذا ظنت أنها نجت وثب عليها وثبة فأخذها، فلايزال كذلك كالذي يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه أقوى ما يكون طمعا في السلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذّ بتنغيصه وتعذيبه”.

اللعبة قديمة، سجلت اولا باسم القط والفأر منذ ان كان للقطط دور كبير في تناسخ الارواح التي مرت بالشرق القديم، وظهور القط المقدس على حجارة الكهوف البورمية، ثم القط الرومي، والقط الفرعوني، وتخطيطات القطط في معابد التبت، ثم القط السيامي بلونه الرمادي، مرورا بهر المطابخ، واجيال قطط الكارتون، توم وجيري، المعروفة.

 في السياسة والحروب تنامى  شأن اللعبة مع دخول كتاب الرواية والقصص على عالم القطط والفئران، فكتب الدانيماركي هانز كرستيان اندرسن عن القطط كرمز للمنقطعين والعوانس، ثم كتب الكثيرون عنها كحيوانات مسلية للاطفال، ودخلت كتب تعليم الصغار مدخل الشعر: قطتي صغيرة. اسمها نميرة.

 وتتمثل لعبة الكر والفر، باختصار، في فنون الوثوب والهرب، الاختباء والظهور، المطاردة والفخاخ، الجر والعر.

 ومن زاوية يبدو ان قاعدة الكر والفر تنتسب، منذ الازل، الى العلم العسكري، حين كان (واستمر) الايقاع بـ”العدو” همّا وهدفا للقادة والساسة، وقد عُرّف الكر والفر بـ”المناورة” في ابسط توصيف لوجستي له، اذْ تتبادل الجيوش الكر على بعضها، مثلما تتبادل الفر من بعضها.

 في اللعبة العراقية، يشاء البعض (حين يكون فارة) ان يلقي على القط موصوف الشر، ثم يلقي عليه (حين يصبح قطا) اجمل صفات الوداعة، وفي هذه اللعبة يتبادل القط والفارة موقعهما باستمرار، فمن كان قطا في اللعبة يصبح فارا في نفس اللعبة، ومن كان في موقع المتمكن والمترهّي، يوما، يصبح في الموقع الضعيف يوما آخر، ومن يُستضعف اليوم يستاسد غدا، ومن يُحاصَر هنا، يحاصِر هناك، وتختلف المواقع باختلال القضايا المطروحة، وبحسب الانواء السياسية، وعلى وفق الصفقات والتحالفات والاوزان، لكن المهم في كل ذلك ان القط، كجلاد، يبقى بامس الحاجة الى الفار كضحية، وان الاخير لايستغني عن جلاده ..ليجعل منه يوما ضحية له، في تقلب الاحوال والاقدار.. وموازين القوى.

تلك هي اللعبة..

القضية.

***

“يمكن للمرء أن يفعل ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يريد ما يشاء”.

شوبنهاور

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close