لماذا نمجد الثقافة ؟

لماذا نمجد الثقافة ؟ * د. رضا العطار

هذه قصة كتبها (انطوني تشيكوف) اعظم كتاب القصة القصيرة في روسيا القيصرية. من مواليد 1860. الذي كان يعالج مشكلة رئيسية الا وهي – العزلة المطلوبة على نحو جوهري للانسان – وهو هنا كما لو كان يردد قول غاندي ( من تمكنت منه عادة القراءة سهلت عليه الوحدة وهانت عليه عزلة السجن )

والمغزى الذي يريده تشيكوف هو ابراز اهمية الثقافة عامة والقراءة خاصة، والواقع ان القراءة تضيف الى عمر الانسان اضعافا مضاعفة من السنوات بحسب القدر الذي يقرأه ونوعية هذه القراءة. انه يضيف الى خبراته وافكاره اضافات ضخمة توسع من افاق دنياه ولا سيما اذا كان يقرأ لعمالقة المفكرين والادباء من امثال افلاطون وارسطو وابن سينا وابن رشد وديكارد وكانط وهيجل في ميدان الفلسفة وشكسبير والجاحظ والبحتري وابو تمام والمتنبي وابو العلاء في ميدان الادب وابو نؤاس في ميدان شعرالغزل.

اي انه يضيف الى عمره عمرا جديدا من حيث الطول والعرض والارتفاع، فإذا كان يستخدم كلمة الحرية، فعليه ان يرجع في معناها الى جان جاك روسو ليدرك سعة وعمق خصوبتها.

تبدأ القصة في احدى ليالي الخريف بين جماعة من الاصدقاء وحديثهم كان يدور حول .

(عقوبة الاعدام) فذهب معظمهم الى القول بانها عقوبة منافية للاخلاق ولهذا ينبغي الغائها على ان تحل محلها عقوبة السجن المؤبد. لكن احد الاثرياء تدخل في الحوار قائلا: انا لا اشاطركم الرأي فعقوبة الاعدام في رأي اكثر انسانية من السجن المؤبد. ذلك لانها تقضي على حياة المجرم دفعة واحدة في حين ان السجن المؤبد يقضي على حياته بايقاع، شديد البطئ !. وقال قائل: الحق انهما معا فاسدتان هدفهما واحد هو ازهاق الروح بسرعة او ببطء، واشترك في الحديث محام شاب في منتصف العقد الثالث من عمره فقال: لو خُيرت بين عقوبتي الاعدام والسجن المؤبد لما اخترت سوى السجن، فالحياة حتى وان كانت تعيسة فهي افضل كثيرا من الموت.

فغضب الثري من فكرة المحامي الشاب فرد في انفعال ظاهر: ليس صحيحا ما تذهب اليه فانا اراهنك بمليون روبل، انك لن تستطيع البقاء في السجن خمسة اعوام.

فأجاب المحامي بهدوء: وانا اقبل الرهان اذا كنت جادا، وسأبقى في السجن خمسة اعوام كما تقول. وانقلب النقاش بين الاصدقاء الى مغامرة جنونية عندما وافق الثري على اقتراح المحامي الشاب واشهد الحضور وهو يقول … انتم شهود لقد راهنت بمليون روبل وانا اقامر بهذا المبلغ في سبيل تنفيذ الفكرة – فأجاب المحامي : انت تقامر بمليون وانا اغامر بحريتي !

واعد الثري حجرة خاصة في حديقة قصره يسجن فيها المحامي وعين لهذا السجن (الخاص) حارسا على مدار الساعة، وقضى المحامي في هذا السجن الاختياري خمسة سنوات كاملة غير منقوصة، لم يخطو خارجه خطوة واحدة، ولم تقع عيناه على مخلوق. فقد كان يحق له فقط مطالعة الكتب وكتابة الرسائل والشراب والتدخين وكانت صلته الوحيدة بالعالم الخارجي نافذة بقضبان حديدية وكان عليه ان يطلب حاجاته بواسطة بطاقة يكتب عليها ما يشاء.

ومن المذكرات التي كتبها المحامي السجين نتبين انه قد عانى معاناة نفسية كثيرة من عزلته في السنة الاولى اما السنة الثانية فقد اقتصرت قراءاته على الكتب الكلاسيكية دون سواها وفي غضون السنة الثالثة كان قد التهم مئات المجلدات، اما خلال السنة الرابعة فقد اعتكف على دراسة الكتاب المقدس ثم استهوته مطالعة تاريخ الاديان. وخلال السنة الاخيرة قرأ كثيرا من العلوم الطبيعية وفي الشعر والطب والرسائل الفلسفية.

انقضت المدة المتفق عليها ووقف الثري يخاطب نفسه : غدا ظهرا تعود الى السجين حريته وسأضطر الى دفع مليون روبل، وفي ذلك خراب ما بعده خراب ! عندما بدأ الرهان لم يكن هذا المبلغ يساوي شيئا اما اليوم فلم تعد ثروتي كلها كافية لسداده.

وفي الثالثة صباحا خرج الثري العجوز الى حديقة القصر عازما على قتل المحامي السجين حتى يتخلص نهائيا من هذا المأزق ونادى حارس السجن فلم يجيبه فاستبشر خيرا وهو يقول لنفسه : حسنا اذا قتلته الان فسوف تحوم الشبهات حول الحارس !

هكذا دخل الثري السجن متسللا لينفذ الجريمة فوجد السجين يجلس الى منضدته وقد راح في سبات عميق ولمح بجواره رسالة موجهة الى الرجل الثري يقول فيهاـ

( ظهر غد استعيد حريتي لكني اود ان اقول لك بضع كلمات .. انني اعلن امام الله اني ازدري الحياة التي تعيشها. لقد قرات خلال خمسة سنوات الكتب التي مكنتني من العيش في حياة اخرى اجمل واخصب من حياتكم الفارغة.

لقد انشدت الاغاني وتنزهت في الغابات واحببت نساء فاتنات ! وتسلقت الجبال واستمتعت بروعة الفجر وفتنة جمال الغروب. ان الكتب التي قرأتها منحتني الحكمة الحقة ولهذا اعتبرت كل ما لديكم زائف وسخيف. ولكي ابرهن لك عن احتقاري اسلوب الحياة عندك، فأنا اتنازل عن المليون روبل التي استحقها والتي يسعى الناس جميعا اليها وكأنها الطريق الوحيد الى الجنة ! لقد قررت ان اغادر السجن فور انتهاء الخمس سنوات المتفق عليها، لكني احول بيني وبين الحصول على مالك.

وفي الختام اقول: أكان عبثا ان يفتتح القرآن الكريم بصيغة الأمر ( اقرأ ! ) وان تكون القراءة والكتاب والعلم اول خطاب يوجهه الى الانسان ؟

* مقتبس من كتاب افكار ومواقف لمؤلفه د. امام عبد الفتاح امام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close