لماذا قامت الثورة الروسية ؟

لماذا قامت الثورة الروسية ؟ (*) د. رضا العطار

كانت ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا هي احدى الثورات، بيد ان الزمن قد تأخر بها سبعين سنة، ذلك لأن انجيلها الذي دانت به، ورايتها التي انضوت تحتها، كان المنوفيست (البيان الشيوعي) الذي اعلنه كارل ماركس عام 1848 من العاصمة البلجيكية بروكسل.

وقصة الشعب الروسي الذي انتهى الى هذه الثورة في 1917 هي قصة العذاب والهوان والفقر والجهل والمرض، يسومه اياها ملوك مجانين ونبلاء اوغاد واثرياء في غيبوبة، لا يدرون معاني الشرف او الكرامة الانسانية. ثم ان رجال الدين عندهم كانوا يؤيدون هذا العذاب والهوان الذي يعاني منه الفقراء. وقد جعلوا انفسهم اداة بيد القياصرة الطغاة.

فقد كان النظام الاقطاعي – الرق الزراعي – قد الغي من اوربا كلها منذ الثورة الفرنسية عام 1789 لكنه بقي في روسيا الى عام 1861 حين اعلن – القيصر اسكندر الثاني – الغاءه، فتحرر بذلك نحو عشرة ملايين فلاح ومنحوا ارضا لزراعتها. ولكن لم تمنح هذه الارض للفلاح، انما للقرية، فكانت حصته منها شحيحة. وكان توزيع الارض يتجدد كل عام، فينتقل المالك من مكان الى آخر، وبذلك يضعف نشاطه وتبرد حماسته في خدمة الارض. اذ هو لا يكفل لنفسه البقاء فيها عاما ثانيا او اعواما تالية كما ان تكرار التوزيع يهيء الفرصة للمحاباة وايثار شخص على آخر. ولذلك لم يقنع الشعب بالتحرير، واصّر على ضرورة الغاء الحكم المطلق. واصّر – اسكندر الثاني – على الحكم المطلق، حتى قتله الثائرون عام 1881

وجاء ابنه – اسكندر الثالث – فاستمسك بالحكم المطلق كأنه ميزة قد ميزه الله بها، وكأن عقله خير من عقول 130 مليون مواطن روسي – حسب تعدادهم انذاك – وقد استطاع ان يحكم الشعب بقوة الحديد والنار، وبطش البوليس السياسي وكبت الحريات وتقييد الصحافة و قتل المعارضين واغتيال المفكرين ونفي من يشك في ولائهم الى سيبريا.

يقول كاتب السطور: عندما كنت مقيما في المانيا في خمسينيات القرن الماضي، قرأت كتابا لصحفي الماني زار روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، يروي فيه انطباعاته عن تلك الرحلة، ومما جاء في الكتاب انه حينما وصل العاصمة الروسية في الشتاء وكان البرد قارصا. أخذ القطار المتجه الى تلك الضاحية من موسكو، حيث يسكن فيها اقربائه، وكان مسرعا ليصل اليهم في اسرع وقت كي ينعم بالجو الدافئ. فيقول : ولكن مع الاسف كانت خيبتي عظيمة لأنني عندما دخلت الدار وجدت ألاقارب وقد التحفوا جميعهم بمعاطف فرو سميكة، يحفظون انفسهم من اخطار البرد القاسي، فقد خيم على البيت برد شديد، فسألتهم مذهولا: ألا توجد عندكم وسائل تدفئة ؟ فأجابوا بلى الفحم عندنا موفور، لكننا نخشى اشعاله لكيلا يشاهد البوليس السياسي الدخان يتصاعد من مدخنة دارنا، فيعتقلنا بتهمة اننا نحرق كتبا ممنوعة !!! من هنا يمكننا ان نستنبط سعة الاضطهاد الأمني والأرهاب الرسمي والحالة النفسية التعيسة التي كان الشعب الروسي، يعانيها زمن حكم القياصرة.

ولهذه الأسباب حفل هذا الشعب بالثائرين الكاتمين، وقد فرّ عدد كبير منهم الى العواصم الاوربية التي اتاحت لهم حرية الحركة وفرصة التدبير للثورة وهم في امن من البوليس السياسي الرهيب. وحاول الثائرون عدة مرات اغتيال القيصر اسكندر الثالث، لكنه كان ينجو منها في كل محاولة بأعجوبة, الى ان مات في فراشه.

وكان المظنون ان ابنه – نقولا – آخر القياصرة، سيفرج عن الحريات الشخصية للشعب. وانه سيعلن الدستور ويتبرأ من البوليس السياسي ويكف عن ملاحقة الاحرار وقتل المعارضين ونفي المتهمين الى سيبريا. ولكنه في رعونة نادرة و نبرة وقحة، اعلن عقب ارتقائه العرش انه سيتمسك بالحكم المطلق ايضا.

ومن ذلك الوقت ايقن الشعب الروسي وفي طليعته المفكرون والاحرار وكذلك الدول الاوربية ان الثورة اتية لا ريب فيها. وانها سوف تنتقم من القيصر وحاشيته ومن النبلاء ومن يدور في فلكهم، الأنتقام القاسي.

ووقعت الحرب بين روسيا واليابان وانهزمت روسيا وثار الشعب في 1905 ولكن الحكومة القيصرية قمعت الثورة وقضت على رجالها بجيشها الذي كان يقودها اولاد النبلاء. اعداء الشعب، الكارهون للدستور. ولكن القيصر – نقولا – اضطر الى التسليم بأنشاء برلمان كي يتستر الفضيحة التي لحقت به من جراء هزيمته في الحرب.

واجتمع البرلمان – الدوما – ثلاثة شهور، لم يطقه القيصر اكثر من ذلك فحلّه.

ثم بدأ القيصر يلعب بالبرلمان على الطريقة التي كان يستسيغها. فإذا كان الاعضاء خاضعين يحنون الرؤوس، فان البرلمان يبقى. واذا قالوا – لا – فان البرلمان يغلق. وقد تعفن اسم القيصر على الالسنة والاقلام في اوربا. فلم يكن يذكر الا باللعنة. وفي بداية القرن العشرين حينما اقدم القيصر في الغاء البرلمان صاح – كامبل بانرمان – رئيس وزراء بريطانيا العظمى قائلا ( مات البرلمان، فليحيى البرلمان)

وجاءت الحرب العالمية الاولى في 1914 واتضح من الشهور الاولى ان الجيش لا يجد الاسلحة او الاعتدة التي يحتاجها، وان الألمان ينزلون به الهزيمة تلو الهزيمة لأن ضباطه وقواده انما وصلوا الى مراتبهم العليا لأنهم كانوا ابناء نبلاء. وليس لأنهم كانوا اكفاء من ابناء الشعب. وسالت دماء الشباب الروسي بلا رحمة.

كان الجيش الروسي يحارب ببنادق ليس لها ذخيرة وبمدافع صدئة ليس لها قنابل، بالاضافة الى هذا كان هناك سبب قاتل هو تفشي الفوضى في نقل الاطعمة وسرقة الموظفين لها. وكان هذا ايضا حال الشعب فقد جاء عليه وقت كان يقرر نصيب المواطن من الخبز الاسود برطل واحد في اليوم، ثم انزل القدر الى نصف رطل ثم الى ربع رطل بل بقيت بطرسبرغ وهي من كبريات المدن الروسية اسبوعا كاملا بلا خبز.

وفي مثل هذا البلاء يجن الضعفاء. فكان – القيصر – وزوجته يستشيران الكاهن الشهواني النصاب – راسبوتين – ويؤثران رأيه على راي الساسة المفكرين مع ان عقل هذا الرجل لم يكن يرتفع على عقول الضاربين بفنون الحيل والخداع.

وتقدم بعض الضباط ببرنامج يهدف الى اصلاح الجيش، وجعل القيصر يغير وزيرا بعد آخر ولكنهم كانوا جميعهم سواء في الفساد الاداري اذ كانوا موظفين قدامى يعجزون عن الارتفاع الى مستوى الاحداث العالمية الكبرى، فتفاقمت الحالة وعمت الفوضى ارجاء البلاد.

واخيرا في مارس 1917 تألفت وزارة – كيرينسكي – وكان رجلا من اولئك الساسة الذين يفهمون السياسة على انها: دهاء وهندام وكلام منمق. وكان يمكن ان ينجح في اوقات عادية يسودها السلم، اما حين تكون الحرب والدم وصليل السيوف ولعلعة المدافع، فانه لا ينجح.

وكانت في روسيا احزاب كثيرة: مثل حزب المنشفيك الذي كان يتألف من الاشتراكيين الاصلاحيين، دعاة التدرج. وحزب البولشفيك الذي يتالف من الاشتراكيين اليساريين دعاة الثورة. يقودهم لنين.

وفي ظروف الحرب في 1917 حين كان الجيش الروسي يتقهقر وهو يكاد ان يكون اعزل، والقيصر يتنازل بعد ان رأى بعينيه تدمير بلاده على يديه، والجوع يعم السكان، لم يكن بد من ان ينجح دعاة الثورة.

وكان اعظم ما حققه لينين من انتصار بعد ان امسك بزمام الامور، انه جعل القاعدة الاساسية لسياسته، المطالبة بعقد الصلح فورا مع المانيا. وكان الصلح امنية الجيش والشعب. ثم اطلق سراح المناضلين الروس الذين قاموا بثورة 1905 والذين كانوا لا يزالون في سجون القيصر. ومن ذلك الوقت تغيرت روسيا عما كانت عليه ايام القياصرة بل ان تغيرها صار يفصل ما بينها وبين اوربا في الاجتماع والسياسة والثقافة.

*مقتبس من كتاب الثورات للموسوعي سلامة موسى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close