الطاس والحمام

علي علي

إن الليالي للأنام مناهل

تطوى وتنشر بينها الأعمار

فقصارهن مع الهموم طويلة

وطوالهن مع السرور قصار

تمضي الأيام وترحل، بعضها على عجل، وبعضها على مهل، بين محزنة ومقلبة للأوجاع، وبين مفرحة بغبطة منقوصة ومنغصة، تاركة العراقيين بذات الغصة التي لازمتهم أكثر من أربعة عقود، وودعوا أفراحهم وعادوا الى أتراحهم الأزلية التي تأبى مفارقتهم، فالمشهد ذاته لايقبل التغيير، ذلك أن التغيير المزعوم شمل القشور وترك اللب، طال الشكليات وعاف الأصول، زوّق المشاكل بحلة الحلول وأنصاف الحلول، في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات اختناقا وتداعيا، معلنة أن لا حول ولا حلول تبدو في الأفق القريب ولاحتى البعيد.

إن الأدلة على عدم حصول تغيير كثيرة، منها -وأولها- مجلسنا الناطق باسم الشعب -الله يچرّم- فبنظرة سريعة، بالإمكان تصوير المشهد الثابت على مر السنين في جلسات مجلس نوابنا كالتالي:

– مجاميع من شخصيات تتصارع فيما بينها، وتتبادل الأدوار بحرفية عالية تفوق خبرة نجوم هوليود، من أجل تمرير مايحلو لها او لآخرين من قرارات ومشاريع قوانين.

– نمطية ثابتة منذ ما يقرب من عقدين، تطغى عليها سمات اولها النرجسية، ثانيها الأنانية والذاتوية، ثالثها الوصولية بصرف النظر عن حجم الثمن المدفوع، رابعها اتباع مبدأ: أنا وليكن الطوفان من بعدي.

– مطمطة وسفسطة و (طول خلگ) بما لايعود بالجدوى النفعية العامة ومصلحة البلاد.

– إسقاطات وإيقاعات متبادلة بشكل مطرد، واتهامات وخصومات تتطور فتصبح صراعات ومنابزات، هي الأخرى تتطور فتتخذ من الأيادي او (الملبوسات الجلدية) بأنواعها أداة للتفاهم، وإثبات الحق، حيث تنعدم أدوات الإثبات المعهودة.

– تمشية وقت او في حقيقة الأمر مضيعة وقت، لاتلبث ان تنتهي بإعلان تأجيل الجلسة، يوما او يومين، وغالبا ما يُختلق سبب ليكون التأجيل مدة أطول، أو حتى لإشعار آخر.

– في نهاية المطاف الطويل جدا، يتم الإعلان عن إجازة تشريعية، ثلاثين يوما او أكثر.

– سكون وهدوء تمر به القوانين والمشاريع والقراءات في رفوفها، فتنام تحت تراب التراكمات السابقة، الى دورة ثانية لن تكون إلا توأم الأولى.

هذا المشهد هو مايراه العراقيون بعد عام 2003 من دون إحداث تغييرات، وإن حدثت فهي للأسوأ وكما يقول مثلنا: (نفس الطاس ونفس الحمام) في الوقت الذي تُطرح فيه أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة وتتعلق عليها مصائر الملايين. هو سبات -تعود عليه العراقيون- لكثير من القرارات التي من شأنها رفع مستوى معيشة الفرد العراقي، وإحداث نقلة نوعية في حياته. ومجلس برلماننا باق على حاله منذ ولادته متلكئا في سن القوانين وإقرارها، تحت سقف زمني معقول او نصف معقول او حتى دون المعقول، إذ يدخل مشروع القرار بوابة مجلس النواب، ليصطف في طابور أفعواني مع سابقاته من مشاريع القرارات التي بدورها قلّبتها القراءات بين أولى وثانية وثالثة، وكذلك التأجيلات بين فصل تشريعي وثانٍ وثالث.

وقطعا بين تأجيل وتأجيل هناك محارق داخلية تغذيها أذرع أخطبوطية خارجية، وفي الوقت ذاته، هناك طبخات على نيران هادئة تنضج في مكانات عديدة من البلد، وفي مطابخ أخرى خارج البلد، فيما تستمر تصريحات وتعليقات النواب في غاية المثالية والروح العالية في تحمل المسؤولية. وعلى هذا المنوال تأتي الأيام وترحل، وهي من عمر العراقيين من دون تأثير او أثر على حياتهم، بعد أن أدمنوا الحزن على مايجنيه عليهم مسؤولوهم وساستهم، وإن تبدلت الأسماء والمسميات، وتعددت الدورات والفصول التشريعية.

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close