عالم بلا حدود

ا.د. كاظم العلي
استاذ اللسانيات والترجمة
كلية الآداب- جامعة البصرة
[email protected]
استهلال:
– من دون الترجمة، سأكون مقيدا بحدود بلادي. إن المترجم أهم حليف لي، إنه يقدمني للعالم – الروائي الايطالي ايتالو كالفينو
– كل لغة هي عالم قائم بذاته. ومن دون الترجمة لكنا نسكن ابرشيات تحادد الصمت- اللغوي جورج ستاينر
(1) يقول الله في محكم كتابه بسم الله الرحمن الرحيم “ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف الوانكم والسنتكم إن في ذلك أيات للعالمين” سورة الروم الآية 22، فالألسن المختلفة تدبير من تدابير الله تعالى وآية من آيات قدرته وعظمته.
(2) وجاء في سفر التكوين أن الله قرر تشويش بني البشر جميعا (وهم البابليون الذيم كانوا يسكنون مدينة بابل العراقية) وارباكهم بلغات متعددة لأن اللغة الواحدة التي كان يتكلمونها هي التي وحدتهم وجعلتهم يقررون بناء البرج العظيم، برج بابل، الذي يطال عنان السماء.
(3) ومنذ أن قرر الله تعالى جعل الألسن مختلفة كما في القرآن الكريم أو بلبلة الألسن في بابل كما في الإنجيل، نشأت الحدود اللغوية بين بني البشر وبدلا من اللغة الواحدة اصبحت لديهم لغات كل واحدة منها بخصائص متميزة عن الأخرى حتى وإن جمعتهم القرابة وصلة النسب في عوائل لغوية.
(4) ولما كان الانسان حيوانا اجتماعيا بطبيعته مثلما يقول ارسطو، فإنه ومنذ الأزل في حالة سباق محموم لكسر تلك الحدود والقيود التي تضعها لغاته على قلبه وعقله وفكره، فلجأ إلى الترجمة مبتدئا بالكلمات ثم الجمل ثم النصوص فالخطاب فالثقافة…الخ محاولا في كل مرة تجاوز عثراته وسقطاته وساعيا نحو الكمال في جهده.
(5) لقد حاول الأنسان (المترجم) كسر الحدود بابتعاده عن الترجمة الحرفية وها هو القديس جيروم يقول “والآن لا اعترف بل أعلن بحرية أنني في ترجمتي من الإغريقية، ما عدا ترجمتي للكتاب المقدس بالطبع، فإنني أترجم لا كلمة بكلمة بل معنى بمعنى” .
(6) وفي محاولته السابقة لجيروم قال شيشرو في حديثه عن ترجمته لأثنين من خطباء أثينا هما ديموسثينز واسخينز “ولم اترجمهما بصفتي مترجما (حرفيا) بل بصفتي خطيبا، محافظا على الأفكار والأشكال ذاتها بلغة تطابق استعمالنا. وفي قيامي بهذا العمل، لم أر من الضروري أن اترجم كلمة بكلمة، لكنني أبقيت على الأسلوب العام وقوة اللغة”.
(7) وقال درايدن الذي صنف لنا ثلاثة اصناف هي ال Metaphrase (الترجمة الحرفية) وال paraphrase (إعادة الصياغة) و الImitation (المحاكاة) أن الترجمة الحرفية تشبه عملية الرقص على الحبال بأرجل مقيدة، إنها عملية خرقاء وغبية. وقال عن المحاكاة التي يخرق فيها المترجم الحدود لأقصى درجة أنها تسيء لذكرى الموتى وسمعتهم.
(8) ومن أجل أن يظل عالمنا بلا حدود أو بحدود شفافة، وضع لنا المفكر الأنساني إتيان دوليه Etienn Dolet خمسة مبادئ في مقاله “كيف تترجم بنحو جيد من لغة إلى أخرى La maniere de bien traduire d’une langue en aultre” قائلا أن:
– – على المترجم أن يفهم تماما معنى النص الأصلي وروحه
– – على المترجم أن يمتلك معرفة مثالية باللغتين المنقول منها والمنقول إليها
– – على المترجم أن يتجنب الترجمة الحرفية
– – على المترجم أن يتجنب الكلمات الغريبة وغير المألوفة
– – على المترجم أن يختار الكلمات وينسقها لينتج الأثر المطلوب
(9) ورأى مارتن لوثر Martin Luther أن الحدود اللغوية يمكن كسرها إذا اعتمدنا وصفته باستعمال اللغة العامية كالتي استعملها في ترجمته للكتاب المقدس إلى الألمانية، فهو يقول : عليك أن تسأل ربة البي في بيتها، والأطفال في الشوارع، والرجل العامي في الأسواق، وأن تنظر إلى افواههم وكيف يتكلمون وتترجم بتلك الطريقة، عندها فقط سيفهمونك وسيعرفون انك تتكلم معهم بالألمانية.
(10) وبالنسبة لشلايرماخر Friedrich Schleiermacher فإننا يمكن ان نعيش بعالم بلا حدود باتخاذنا لأحد طريقين: أما أن يترك المترجم الكاتب بسلام قدر ما أمكن وأن ينقل القارئ باتجاهه، أو أن يترك القارئ بسلام قدر ما أمكن وينقل الكاتب باتجاهه. وهو ما نتج عنه استراتيجيتين في الترجمة هما التغريب alienating والتطبيع naturalizing.
(11) وبالنسبة لرومان ياكوبسون Roman Jakobson الذي قسم الترجمة في مقالته الفريدة “في الجوانب اللغوية للترجمة” العام 1959 إلى ثلاثة انواع هي الترجمة ضمن اللغة الواحدة intralingual translation والترجمة بين اللغات interlingual translation والترجمة الاشاراتية intersemiotic translation فإنه ساق لنا تعبير التكافؤ بالاختلاف equivalence in difference بمعنى ان الرسائل اللغوية لكي تعبر الحدود فلابد لوحداتها الشفرية code units ان تختلف و لا تتطابق كما في Carrying coal to Newcastle والرسالة العربية المكافئة “كحامل التمر إلى هجر”.
(12) ولكي يصبح عالمنا بلا حدود طلع علينا المترجم والمنظر الأمريكي يوجين نايدا Eugene Nida بمفهوم التكافؤ الداينمي dynamic equivalence المتأسس على مبدأ الأثر المتكافئ the principle of equivalent effect حيث يكون عالمنا عالما بلا حدود حين يتساوى الأثر الذي تتركه الترجمة في قرائها مع الأثر الذي يتركه النص الأصلي لدى قرائه الأصليين.
(13) وترى كاثارينا رايس ان عالما بلا حدود يمكن ان نعيشه حين نحقق التواصل والتكافؤ عند مستوى النص الذي يمكن أن يكون بثلاثة انواع هي النص المعلوماتي informative الذي خير وسيلة لنقله هي النثر الواضح explicit prose والنص التعبيري expressive الذي تعتبر وسيلة التماهي identification مع المؤلف ونصه انجع طريقة والنص الدعائي الاعلاني appellative التي تعتبر الطريقة التكيفية adaptive احسن سبيل لترجمته.
(14) لكن الحدود التي تفصلنا في الحقيقة غير مقصورة على العوامل اللغوية، فالجوانب الثقافية هي أعظم تأثيرا وأكثرها شدة من ناحية عزلنا عن بعضنا في عوالم قوية الحدود ومن أجل هذا قالت باسنيت Susan Bassanett ولوفيفر Andre Lefevere “لا الكلمة ولا الجملة هما وحدتا الترجمة بل الثقافة”. ويحاول المترجمون والمثقفون المنفتحون تخفيف حدة الحدود الثقافية من خلال مفهومهم حوار الحضارات وليس صراع الحضارات الذي طرحه الأمريكي صامويل هنتنغتون.
(15) لكن هل استطعنا حقا كسر الحدود وهل نحن نعيش فعليا في عالم بلا حدود. والجواب على هذا السؤال هو نعم بالتأكيد والدليل هو مئات الالاف من القصص الروايات والقصائد والمسرحيات التي تنقل بين لغات العالم ويتلذذ بها الناطقون بلغة واحدة.
(16) يحاول السياسيون فرض الحدود قدر ما يستطيعون بإنشائهم موانع السفر والتنقل و التكتلات والأحلاف في الوقت الذي يبذل المترجمون جل جهدهم لخرق تلك الحدود المصطنعة وهي كثيرة جدا ومن بينها ما قامت به منظمة “كلمات بلا حدود Words without Borders” التي نشرت كتابا بعنوان ” الأدب من محور الشر: كتابات من ايران والعراق وكوريا الشمالية وأمم معادية أخرى Translating from the Axis of Literature: Writings from Iran, Iraq , North Korea and other Enemy Nations” الذي قالت عنه مجلة بلومزبري ريفيو انه الكتاب الذي يجب ان يقرأه كل امريكي هذا العام.
(17) ومن اجل عالم بلا حدود يجب علينا جميعا ان نحتفل باليوم العالمي للمترجم وليس للترجمة وأن نحتفي بالأسماء المبدعة من المترجمين ونكرم طلبتنا الأوائل في اقسام اللغات والترجمة لأن المترجمين هم صناع الحضارة والسلام وبناة الجسور….لأن الترجمة ليست، كما يقول الروائي والفيلسوف الايطالي امبرتو ايكو Unberto Eco، لغة أوربا بل هي لغة العالم.
محاضرة القيت في ندوة قسم اللغة الانجليزية والترجمة بكلية الآداب جامعة جرش بمناسبة اليوم العالمي للترجمة في 29/9/2022

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close