2، 4 ،7 وحقيقة نهاية الدكتاتور

د. وسام جواد

في أحد أيام خريف 1933 زُجَّ بتسعة أشخاص الى قاعة كنيسة على الحدود الألمانية البولونية، يحمل كل واحد منهم بكلتا يديه رقما يُنادى عليه به بدلا من إسمه الحقيقي، وجميعهم في حالة يرثى لها من الإعياء والخوف الشديد، بانتظار وصول الضابط الكبير، الذي ما أن وصل ودخل القاعة، حتى دب الرعب والهلع بينهم، دون أن يجرأ أحد على رفع رأسه للنظر اليه.
وبعد أن أمعن الضابط نظره مليا في الوجوه، وقع إختياره على حاملي الأرقام 2 و4 و7، الذين أجهشوا في البكاء من شدة الفرح، لعلمهم بأنهم سيبقون أحياءا، بينما سيتم إعدام الباقين.
فمن هم هؤلاء الثلاثة ؟
1- النمساوي غوستاف ويلر ( رقم 2 )
2- البولوني سليب ( رقم 4 )
3- اليهودي كلاوس بوشته ( رقم 7 )
أما الضابط ، فكان أدولف هتلر.
غوستاف ويلر:
كان غوستاف يشبه الفوهرر إلى حد كبير (قيل بأنه من أقربائه البعيدين)، لكنه يختلف عنه بشدة ولعه بالتدخين، مما توجب عليه التخلص منه سريعا، وتبنّي عادات واسلوب وأخلاق الزعيم الألماني.
ذاع صيت غوستاف في أحتفال الضباط الألمان مع زعيمهم النازي في حانة للبيرة بمدينة ميونيخ عام 1938 بمناسبة الانجازات الألمانية في المجالات العسكرية. فبعد أن تناول القليل من البيرة، سقط هتلر أمام أعين ضباطه يتضور ألما، غير قادرعلى الكلام، مما استدعى نقله للعلاج بسرعة، ولكنه فارق الحياة.
وبعد أيام من أنتشار خبر موت “هتلر”، خرج يحيي الجماهير، مُكذبا خبر وفاته، دون ان يعلم أحد بأن من مات هو الشبيه (رقم 2 ).
البولوني سليب :
كان أكثر شهرة وشبها بهتلر.عاش وعمل صباغا للأحذية في بولندا. وذات يوم من خريف 1933، لاحظه أحد الضباط الألمان بينما كان يصبغ بسطاله، فطلب من زملائه ان يمسكوا به، ويأخذوه ليجهزوه، ويعلموه كل شيء ليصبح شبيها بالديكتاتور. وبالرغم أنه كان أكثر وزنا وأقصر قامة من الفوهرر، إلا أن الألمان جعلوا منه نسخة مشابهة جدًا لهتلر في غضون عامين.
زار سليب (رقم 4) خط المواجهة في زابوروجيا بجمهورية اوكرانيا السوفيتية عام 1943، والتقط هناك صورا، وصافح الجنود، لكنه لم يلقي خطابًا رسميًا. وبعد ان همَّ بالمغادرة، التفت فجأة الى الخلف ليرى أحد الضباط مصوبا مسدسه اليه لاغتياله على افتراض أنه الفوهرر، لكن الحراس الشخصيين تمكنوا من قتل الفاعل فورا، وانقاذ “هتلر” رغم اصابته في الرأس .
عملية فالكيري
في 20 تموز/ يوليو 1944 توجه العقيد كلاوس فون ستاونبرغ ( شارك في معارك شمال أفريقيا وفقد عينه ويده اليمنى واثنين من أصابع يده اليسرى هناك) لحضور اجتماع للقادة المقربين من هتلر. وكان كلاوس من الناقمين على الزعيم النازي بسبب الاخفاقات في شمال أفريقيا، والهزائم المتلاحقة في أوروبا. لذا، قرر القيام بالإتفاق مع ضباط آخرين بعملية لاغتياله بقنبلة وضعها داخل حقيبة حملها بنفسه الى غرفة الاجتماع، إلا أن الحظ حالف هتلر هذه المرة أيضا. فقد قتل في الانفجار أربعة من كبار الضباط المقربين له، بينما أصيب هو في إحدى قدمية وبحروق في وجهه. أما كلاوس الذي خرج من الاجتماع قبيل الانفجار بحجة اتصال هاتفي هام، فقد القي عليه القبض وأعدم مع مجموعة من الضباط المتآمرين.

وفي الثاني من آيار 1945 عثر الجنود السوفيت على جثنين لهتلر في الملجأ الذي إختبأ فيه. وبعد التأكد من أن أحداهما تعود لشبيهه، إعتقدوا بأن الثانية المحترقة لهتلر الحقيقي، إلا أن المصور الحربي السوفيتي، بوريس سوكولوف أعرب عن شكوكه بذلك. ولم يصدق ستالين برواية انتحار هتلر، رغم إرسال الصور اليه مع الجمجمة المفترضة للزعيم النازي. وقد صدق حدس وظن ستالين حين تبين من التحقيق والتدقيق، ان الجثتين تعودان الى البولوني سليب (رقم 4) واليهودي بوشته (رقم 7) .
فهل خدع هتلر الجميع وهرب ؟
أثناء التحقيقات في الولايات المتحدة كشف هنريك ميلر حقيقة نهاية هتلر بتقديمه وثيقة يعود تاريخها الى 24.04.1945 تتضمن أسماء الهاربين مع هتلر وزوجته، ويتضح منها أن هتلر، شطب في اللحظات الأخيرة بعض الأسماء وأبقى على عشرة فقط. وكانت الأرجنتين، الدولة والوجهة الأنسب للهرب، نظرا للعلاقات المتينة آنذاك بين نظامها والنظام النازي، الذي صرف أموالا طائلة وأغدق على بناء المنشئآت والمطارات السرية لأغراض عسكرية احتياطية هنالك.
وفي سنوات ما بعد الحرب، جرت في الأرجنتين محاولات استخباراتية عديدة لمعرفة ما اذا كان قد شوهد هتلر، لكنها لم تسفر عن نتيجة، وكل ما توصلت اليه، أن أحدى الخادمات اللاتي يعملن في المنازل، قالت أنها رأته (دون أن تعرف مَن هو) عندما عرضوا عليها صُورِهِ.

لقد نجح هتلر بوضع مسرحية موته الخادعة بترك ضحاياه 2، 4، 7 يموتون من أجل أن يظل هو حيا.
فهل عاش بعد الحرب ؟.
ليس باستطاعة أحد أن يجيب جازما على هذا السؤال رغم كل محاولات الاستخبارات الغربية والسوفيتية، ومرور 77 عام على سقوط الرايخستاغ .

موسكو/ 30.09.2022

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close