العراق وتجارب الحكم

بقلم ( كامل سلمان )

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام ١٩٢١ م ولحد يومنا هذا قام العراق بتجربة اربعة انواع من انظمة الحكم المعمولة به عالميا لكن اسلوب التطبيق كان غريبا ، ابتداءا من نظام الحكم الملكي الشبيه بنظام الحكم البريطاني وقد فشل هذا النظام فشلا ذريعا بسبب ان نظام الحكم الملكي المعمول به في بريطانيا هو نظام ديمقراطي خالص بينما تم تطبيق نظام الحكم الملكي عندنا ممزوجا بالعشائرية والدينية والاقطاعية في وسط اقليمي قادر على التلاعب بأحوال العراق ليس لأن الشعب العراقي شعب جاهل فقط بل بسبب اختلاف عناصر وتركيبة تجمعات المجتمع العراقي ، فالمجتمع العراقي اجناس مختلفة غير متجانسة ولها طبائع مختلفة ، فالسنة العرب اقوام تختلف بشكل كبير عن باقي مكونات الشعب العراقي فالولاء عندهم هو قومي عربي وهذا يفسر نشوء جميع الاحزاب والتنظيمات القومية داخل هذا المكون ووجود العقلية البدوية الصلبة القاسية في التعامل مع باقي المكونات في هذا البلد ، وهذا يفسر القسوة التي كان يتعامل بها السنة مع بقية شرائح المجتمع العراقي خلال فترة تسلطهم على العراق بحيث اصبح المواطن العربي السني هو المواطن من الدرجة الاولى والبقية تباعا درجة ثانية وثالثة وقسم منهم تبعية ايرانية كما حدث للكورد الفيلية ، اما الشيعة العرب يعيشون ميول شديدة لصالح العقيدة المذهبية على حساب العقيدة القومية رغم الأسلوب العشائري لمعيشتهم ، لذلك يشعرون بتنافر شديد مع العرب السنة والسبب هي قدرة المرجعية الدينية الشيعية الخاضعة للتوجه الايراني من السيطرة على ثقافة الشارع الشيعي العراقي وعزلهم للعرب الشيعة فكرا و اعتقادًا عن العرب السنة ، اما الكورد فكان حضورهم كبير ولكنهم يعانون من عزلة شديدة والسبب في ذلك ان الشيعة الخاضعين للتأثير الايراني والسنة الخاضعين للتأثير العربي والتركمان الخاضعين للتأثير التركي وباقي المكونات الصغيرة كلهم يتوحدون ضد الكورد في المواقف عندما يريد الكورد التحرك خطوة الى الامام ، فبسبب هذه السياسة العدائية لجميع المكونات اصبح لزاما على الكورد البحث عن ملاذ لهم فكانت الحصيلة ان لا ملاذ لهم الا الجبال وهذا يفسر سبب تمرد الكورد وعدم انصياعهم لأي حكومة استحوذت على السلطة في العراق وكانت فكرة الاستقلالية تراودهم لأنها هي الحل الوحيد التي تحفظ لهم الوجود والكرامة ، بسبب استحالة العيش مع باقي المكونات التي دائما تتحد عدوانا عندما تكون القضية فيها مصلحة لصالح الكورد ، وهذا الحلم الكوردي يظل قائما حتى يتم تحقيقه ، ومسألة استقلال الكورد وبناء دولة خاصة بهم ليس قرارا حكوميا عراقيا ولا قرارا اقليميا بل هو قرار الشعب الكوردي اولا والقوى العظمى اساسا ، فالشعب الكوردي من جانبه قرر فعلا الاستقلال ولكن المجتمع الدولي او القوى العظمى وتحديدا قرار امريكا وبريطانيا مازال هو الذي ينتظر الإعلان عنه ، وبشكل عام القرار الدولي عاجلا ام اجلا سيكون موضع التنفيذ اي ان المسألة مسألة وقت ليس الا . ولا ننسى المكونات الصغيرة التي بقي دورها هامشي في العراق الحديث رغم قوة تأثيرها ، ، كل هذه الخلطة توضحت معالمها مع اول تجربة لنظام الحكم في العراق وكما قلنا هو النظام الملكي والملك تم استيراده من الخارج ، ثم جاء دور النظام الجمهوري العسكرتاري الدكتاتوري بقيادة عبد الكريم قاسم وهو نظام حكم مخالف بدرجة ١٨٠ درجة عن النظام الديمقراطي الملكي الفاشل ، فكان هذا النظام رغم قبوله شعبيا في بادىء الامر الا انه سرعان ما فقد مصداقيته وفشل فشلا ذريعا ، ثم جاء تطبيق النظام القومي العربي ، عن طريق صعود حزب البعث العربي ، هذا الحزب عانى من رفض الاحزاب غير القومية والاحزاب القومية غير العربية والتركيبات الدينية لأنه حزب علماني خاضع لقيادة تأسيسية غير دينية وغير اسلامية ، وهذا ما سبب تنافر ديني من قبل المسلمين الشيعة خصوصا مع هذا الحزب ، ولكن بسبب نشوء الحزب في الوسط السني وطبيعة اهل السنة العرب القاسية فقد قام هذا الحزب بالقسوة على كل المعترضين واولهم الكورد وكانت القسوة مفرطة استباحوا دماء كل المعترضين وادى بهم الامر الى اعدام كل من يقف في طريقهم والشعب الكوردي نال النصيب الاكبر من القسوة بسبب معارضته فكان السلاح الكيمياوي هو الجواب للشعب الكوردي ، تلك القسوة والعنف مع القبضة الحديدية لحزب البعث ادت الى دخول العراق في مواجهات دموية مع دول الجوار مما استدعى ان تتفق دول الجوار بالاتفاق مع العرب الشيعة ومرجعياتهم بالاطاحة بنظام حزب البعث الذي اصبح مكروها عند غالبية افراد المجتمع العراقي بسبب الكوارث التي جلبها للبلاد والعباد ، وتم ذلك فعلا بالتعاون مع تحالف دولي وتم اسقاط نظام حكم حزب البعث بشكل نهائي ليدخل العراق النوع الرابع من انظمة الحكم ، وهذه المرة نظام حكم شكله ديمقراطي محاصصاتي ( لأول مرة يتم تطبيقه في العالم ) بدعم واسناد من قوى مسلحة ، بحيث اصبح الشارع العراقي وخصوصا الشارع الشيعي تتحكم فيه اربعة قوى في آن واحد وهي ( قوة الدولة ، قوة المؤسسة الدينية ، قوة الاحزاب ومليشياتها ، قوة العشائر ) فبدأ التنافس بين هذه القوى للأستحواذ على خيرات البلد مما ادى الى دخول العراق في نفق التخلف والفساد والصراعات الدموية وعدم الاستقرار نهائيا .
بعد هذه التجارب المريرة بدأت الدول الإقليمية وتحديدا الدول المجاورة للعراق التفكير بشكل جدي بتقسيم العراق والتخلص من مشاكله للأبد والاستحواذ على خيراته ، وهناك شبه خارطة جديدة للمستقبل الجغرافي في المنطقة بحيث تكون هناك حصص للجميع ولكن هذا التقسيم يصطدم بوضع الكورد الذي لا يتجرأ احد من ضم اراضيه الى اراضي البلدان الاخرى ، لأن الكورد وكما هو معروف عند الجميع مشروع دولة مستقلة مستقبلا ، والمشكلة الاكبر عند دول الجوار عدم معرفتهم بحجم وقدرة الدولة الكوردية القادمة وهذا ما يجعل حساباتهم غير دقيقة ومرتبكة …
نعم اقولها بيقين ان نظام الحكم الحالي هو الذي سينهي العراق الموحد ، وان القائمين على الحكم لا يدركون ذلك ، وقد تمت الصفقات من تحت الطاولة دون علمهم والمؤشرات على ذلك كثيرة ، لكن الشيء الذي يجهله الجميع بأن كل من يأكل من جسد العراق سيصاب بالتمزق لاحقا وهذا ما تنتظره الدول العظمى ان يحل في المنطقة برمتها لعنة العراق ، فالعراق سيكون السر وراء تفتت ودمار وحروب دول المنطقة وسيتأثر الكورد و يصيبهم الاذى اكثر من غيرهم ولكنهم سيكونون المستفيد الوحيد بالنهاية . هذا ليس سيناريو ولكن هذا مانراه حاليا وما يحدث على الارض ، لم يكن العراق في يوم من الايام موحدا الا بالقتل والعنف وكذلك جميع دول الجوار العراقي كانت طوال تأريخها قائمة على حمامات من الدم ، واليوم فأن القبضة الحديدية قد انتهت في العراق ولاحت في الافاق ضعف هذه القبضة الحديدية عند دول الجوار ، وقد تكون القبضة قد تحولت بيد العرب الشيعة مؤقتا في العراق ولكنها لا تستمر بسبب الضغوطات الكبيرة ، وهذا يعني لا يوجد عراق موحد مع كل هذه الصراعات الدموية العرقية والدينية والمذهبية . نحن على ابواب مرحلة جديدة مليئة بالمفاجات لأن التجربة أثبتت ان اي نظام حكم يتم تطبيقه في العراق سيفشل كما فشلت مثيلاتها المعمول بها دوليا والسبب هو الوضع العراقي الشاذ الذي لا يتقبل اي شيء صحيح سوى العنف والقوة وهذا الشيء مرفوض في عالم يسير الى الامام ولا يعود الى الخلف ولا نريد فتح انهار جديدة من الدم لمجرد تطبيق نظام حكم مقبول .

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close