القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٠٨

ضياء الشكرجي

[email protected]

لَيسوا سَواءً مِّن أَهلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَّتلونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ وَهُم يَسجُدونَ (١١٣) يُؤمِنونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَيَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسارِعونَ فِي الخَيراتِ وَأُلائِكَ مِنَ الصّالِحينَ (١١٤) وَما يَفعَلوا مِن خَيرٍ فَلَن يُكفَروهُ وَاللهُ عَليمٌ بِالمُتَّقينَ (١١٥)

جميل أن يأتي هنا تدارك ونفي للتعميم والإطلاق، ولو إن التعميم والإطلاق في الأحكام سنراه يؤكد في آيات أخرى بما ليس فيه لبس. إذن «هم لَيسوا سَواءً»، كما ليس كل قوم وليس كل أتباع دين سواء، ثم يجري إقرار بحقيقة مفادها «مِن أَهلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَّتلونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ وَهُم يَسجُدونَ»، ولا ندري أي آيات من آيات الله يتلونها، فإذا تلوا كتبهم المقدسة التي كانت يومئذ بين أيديهم، فالإسلام لا يعترف بها، بل يعتبرها محرفة عن حقيقة التوراة التي أنزلت على موسى والإنجيل الذي أنزل على عيسى، أما إذا كانوا يتلون آيات الله التي يعترف بها الإسلام بأنها حقا آيات الله، فمعنى ذلك انهم يتلون آيات القرآن، وبالتالي يكون الكلام عن اليهود والمسيحيين الذين تركوا دينيهم اليهودي والمسيحي وتحولوا إلى الإسلام؛ مما يجعل المديح هنا لفريق من المسلمين، هم أولئك الذين كانوا من قبل على الدينين آنفي الذكر، ودليل ذلك أنهم يسجدون، ولا نعرف سجودا في الصلاتين اليهودية والمسيحية. ثم إنهم «يَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ»، ونعلم أن المعروف والمنكر لا يعتبران في الإسلام كذلك، إلا ما اعتبره الإسلام معروفا من واجبات ومستحبات دينية وفق شريعة الإسلام، أو منكرا من محرمات ومكروهات دينية أيضا وفق شريعة الإسلام، إلا إذا عنت هذه الآية بالذات المعروفين والمنكرين الأخلاقيين لا الدينيين، أي بما يحسنه العقل مستقلا، لا ما يحسنه الشرع، إلا ما يتفق مع تحسين العقل، ونعني العقل الأخلاقي. وهكذا يمكن أن يجري التساؤل عن معايير الخيرات في قول «وَيُسارِعونَ فِي الخَيراتِ». وعندما تقر الآية بأن «أُلائِكَ مِنَ الصّالِحينَ»، فلا ندري أبالمعايير العامة المحايدة دينيا، أم بمعايير الإسلام، ونفس الشيء يقال عن وعدهم بأنهم «ما يَفعَلوا مِن خَيرٍ فَلَن يُكفَروهُ»، بل سيثابون به. فالسؤال يجري بأي معايير يقرر ما يجعل الأعمال تعد من الخيرات، أو فعل الخير، أو ما يعد فاعلها من الصالحين. وربما يكمن الجواب فيما تختتم به الآية: «وَاللهُ عَليمٌ بِالمُتَّقينَ». وقلنا التقوى لا تصدق إلا على المسلم الذي تجاوز مرتبة الإسلام الفقهي بالنطق بالشهادتين أو بالولادة من أبوين مسلمين إلى مرتبة الإيمان، ثم يتجاوز مرتبة الإيمان بمستويات الحد الأدنى إلى مرتبة التقوى. وتبقيك الآية حائرا، هل هو مديح لليهود والمسيحيين الذين تنطبق عليهم المواصفات المذكورة فيها، رغم بقائهم على دينيهم، أم لليهود والمسيحيين الذين تركوا دينيهم وتحولوا إلى الإسلام. وعموم آيات القرآن التي تتناول غير المسلمين تدل على المعنى الثاني، وإذا كانت بعض آيات القرآن عنته بالمعنى الأول، فالأرجح أنها من المنسوخة بالآيات التي تؤكد المعنى الثاني وهي الآيات الناسخة والمتمتعة بالصلاحية النهائية.

إِنَّ الَّذينَ كَفَروا لَن تُغنِيَ عَنهُم أَموالُهُم وَلا أَولادُهُم مِّنَ اللهِ شَيئًا وَأُلائِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ (١١٦)

وهذه الآية تؤكد ما أوردناه في تناول ما قبلها، لأننا علمنا أن مصطلح «الَّذينَ كَفَروا» في القرآن لا يعني إلا غير المسلمين في مقابل مصطلح «الَّذينَ آمَنوا» الذي لا يعني بالمقابل إلا المسلمين.

مَثَلُ ما يُنفِقونَ في هاذِهِ الحَياةِ الدُّنيا كَمَثَلِ ريحٍ فيها صِرٌّ أَصابَت حَرثَ قَومٍ ظَلَموا أَنفُسَهُم فَأَهلَكَتهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلاكِن أَنفُسَهُم يَظلِمونَ (١١٧)

من الطبيعي إن كل أصحاب قضية يؤمنون بها ويحرصون على تقويتها والدفاع عنها، حقا كانت أو باطلا، أو فيها شيء من كل من الحق والباطل، يستخدمون كل الوسائل الفكرية والنفسية والدعائية والعسكرية والمالية؛ أي أن يمولوا قضيتهم ويسدوا احتياجاتها المالية، هذا الذي تسميه هذه الآية بالإنفاق، فالمسلمون مطلوب منهم فيما هو مطلوب أن ينفقوا على قضيتهم، حيث يكون الإنفاق بمثابة الجهاد المالي «يُجاهِدونَ بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم»، وهكذا كان الآخرون في خط الخصومة مع الإسلام، لاسيما اليهود وكذلك المشركون أو العرب غير المنتمين لدين والرافضون للدين الجديد، كانوا ينفقون هم الآخرون على ما يرونه قضيتهم، حفاظا إما على نفوذهم أو على تقاليدهم أو على عقائدهم، التي كانوا يرون الدين الجديد خطرا عليهم. وبلا شك كانت مناوءتهم للدين الجديد، سواءً مبتدئين بالمناوئة أو مدافعين، متفاوتة، منهم من كان محقا ومنهم من كان غير محق، عبر التعصب والتمسك بالقديم، أو عبر التمسك بثمة مصالح منها شخصية لبعض المتنفذين. كما إن المسلمين تتفاوت بكل تأكيد مواقفهم ما بين دفاعية مشروعة، وما بين مستفزة، أو مبتدئة بالعداء والاعتداء. الآية تريد الاستهانة من إنفاق المناوئين للإسلام والمسلمين ونبيهم، بعده عديم الجدوى وعديم النتائج المفيدة لهم، سواء في الدنيا، حيث أنهم سيخسرون في آخر المطاف مقابل المسلمين، أو في الآخرة، حيث سيحشرون مع الظالمين والكافرين في العذاب خالدين فيه أبدا. وتختم الآية بتقرير أن سوء عاقبتهم سواء في الدنيا أو في الآخرة، لم يحصل من خلال ظلم المسلمين ونبي الإسلام لهم، هذا في الدنيا، ولا ظلم الله لهم في الآخرة، بل هم الذين ظلموا أنفسهم. بكل تأكيد هناك من ينطبق عليهم هذا الحكم، كما ينطبق في حالات على المسلمين، وهناك من لا ينطبق عليهم ذلك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close