دولة سومر، النبع الحضاري الاول في تاريخ الانسان ! ح 9

دولة سومر، النبع الحضاري الاول في تاريخ الانسان ! ح 9 (*) د. رضا العطار

الألهة !

وهكذا فإن آنو أله السماء عند السومريين كان يمثل السلطة في المجتمع، وفعل آنو في السماء هو تجربة الجلال والسلطة المطلقة التي تدعو الى الولاء بمجرد وجودها. اذ يمتثل لها المشاهد لا بالضغط الخارجي بل بالأمر القاطع الصاعد من اعماق روحه. فهنا ايضا قوة الأرادة تكره على الخضوع المتأتية من قوة مجمع الآلهة وحكومة الكون. التي يرأس اجتماعاتها ويديرها الأله آنو.

اذ يقبل الجميع ارادته وسلطته طائعين. فإن هذه الأرادة وهذه السلطة ترشدان المجمع كما يرشد دستور الدولة افعال اللجنة التشريعية. فارادته في الواقع هي الدستور الحي غير المدون للدولة الكونية. وهكذا يمثل آنو القوة الآساسية في كل دولة ذات السلطة التشريعية. فلئن تكن السلطة بمفردها كافية لخلق التماسك في جماعة ما، فان هذه الجماعة لا تبلغ مرتبة الدولة حتى تنمي الوسائل التي تدعم سلطتها بالقوة. وينجح موظفوها في اظهار مقدرتهم على احتكار القسر المشروع. انه سند الدولة والدعامة التي يرتكز عليها الألهة. فيخاطبه البابلي بهذا الاسلوب :

يا من تحيط السماء و الارض ايها الأله السريع — يا معلما حكيما للشعب — يا من ترى اقاليم الدنيا كلها من عليائك — ايها الأمير الناصح مسموعة كلمتك — وكل ما تفوه به تعجز اية قوة تبديله — والفاظ شفتيك لا اله يزدري بها — رباه ! يا حاكم الآلهة في السماء — وناصح الآلهة في الارض ايها الأمير العادل !

ان العنصر العظيم الثالث في تأليف الكون المرئي هو الأرض. وقد رأى فيها سكان ارض الرافدين ثالث القوى الخطيرة في العالم. وقد توصلوا الى فهم قوتها وأساليبها – كما في السماء والعاصفة – بتجربتهم المباشرة لها كأرادة داخلية واتجاه باطني. ولذلك لم يكن من السهل على اسم هذه الالهة القديم ( كي ) = ( الأرض ) البقاء. اذ جعلت تنازعه اسماء اخرى مبنية على صفات بارزة مهمة.

وقد كشفت الارض عن نفسها للبابليين القدامى قبل كل شئ في شكل ( الأرض الأم ) ذلك المصدر الغامض العظيم الذي لا ينضب للحياة الجديدة والخصب في كل انواعه.

فهي تلد في كل سنة العشب والنبات من جديد.

ان الأرض القاحلة لتخضوضر بين عشية وضحاها فيخرج الرعاة بأغنامهم الى المراعي. وتلد النعاج والماعزالحملان والجديان, كل شئ في تكاثر وازدهار. وفي حقول سومر الطيبة (ترفع الحبوب تلك الغادة الخضراء راسها في الخط الحريث) وسرعان ما تفيض البيادر بغلال الحقول. واذا ما شبع الناس خبزا وخمرا وحليب احسوا بفورة من الحياة في اجسادهم : انه الاحساس العميق بالرخاء وحسن الحال.

والقوة الفعالة في هذا كله – القوة الكاشفة عن نفسها في الخصب في الميلاد في الحياة الجديدة – هي جوهر الارض. فالآرض كقوة الهية ( نن – نو ) اي ( السيدة الوالدة ) و ( نغ – زي – عال – دم – مي ) بمعنى ( صانعة كل ما فيه نسمة الحياة ) . ونراها في المنحوتات البارزة كأمرأة ترضع طفلا. مع اطفال آخرين ملتفين بثوبها مخرجين رؤوسهم من بين التلافيف حولها، والأجنة تحيط بها من كل صوب. وبصفتها مجسدة للقوى التناسلية كلها في الكون فهي ( أم الآلهة ) وهي كذلك أم البشر وخالقتهم بل انها كما ينص احد النقوش ( أم أطفال اجمعين ) واذا شاءت حرمت فاعل الشر من النسل او منعت عن الآرض كل ميلاد.

وبما انها المبدأ الفعال في الميلاد والخصب وفي تجدد النبت المستمر ونمو الغلال وتكاثر القطعان وبقاء الجنس البشري، فهي قوة فاعلة، تجلس الى جانب آنو وانليل

في مجمع الآلهة، حكومة الكون. انها (المكلة الموقرة) و (ملكة الآلهة) و(ملكة الملك والأسياد ) و ( السيدة التي تقرر المصائر ) و ( السيدة التي تتخذ القرارات بشأن السماء والأرض ).

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب الواح طينية السومريون لصموئيل كريمر جامعة شيكاغو 1963

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close