واقعية البارتي وتغيَر الإطار التنسيقي

صبحي ساله يي

ينظرالكوردستانيون بريبة إلى مواقف الإطاريين التنسيقيين وتغيير تصريحاتهم ومواقفهم من النقيض إلى النقيض، وإلى إيقاف الهجمة الإعلامية الأكثر عدوانية والأقل مجاراة للواقع تجاههم وتجاه حكومتهم وبالذات تجاه الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كما ينظرون بريبة أكبر إلى تحركاتهم السريعة التي توحي أنهم يريدون إنعاش الثقة الهامدة بحسن نواياهم وتبديد المخاوف ومن أجل إقناع الديمقراطي الكوردستاني بأنهم تغيروا، ويريدون إعادة العلاقات إلى ما كانت عليها قبل أكثر من عقد، وبدء حقبة جديدة من التعاون لتسهيل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ورسم صورة مختلفة عن الصورة التي أدت الى الكثير من التوترات وإلى تشنج العلاقات وإنعدام الثقة بينهم وبين الكورد.

أغلب هؤلاء (الأطاريون) مارسوا ضد الكوردستانيين كل أنواع الدسائس الشوفينية والتضليل والقمع التعسفي، وفرضوا عليهم الحصار وقطعوا عنهم الميزانية، وخلال الحرب ضد داعش منعوا عن البيشمركه حصته من المساعدات الخارجية، وإستعملوا القوة العسكرية وقرارات البرلمان والقضاء ضده، خلافاً للدستور، وضربوا منشآتهم النفطية ومطاراتهم وبنيتهم التحتية بالصواريخ والدرونات وحاولوا زرع الفتنة والإنقسام بينهم لإضعافهم والنيل منهم.

وبالأمس إلتفوا على نتائج الانتخابات وشككوا في الأرقام المعلنة وتظاهروا أمام المنطقة الخضراء وإشتكوا من التزوير وإتهموا دولاً خارجية بالتدخل في فرض النتائج، وبعد بدعة الثلث المعطل منعوا تشكيل حكومة الأغلبية، ومارسوا الضغوط على الفائزين، تارة بالترغيب، وتارة أخرى بالترهيب والتخويف والتهديد والتأليب المذهبي والطائفي وحرق المقرات وإستخدام المسيّرات والقصف المدفعي والكاتيوشات والإرهاب وتوزيع الإتهامات الشنيعة. أما اليوم فإنهم يظنون (وبعض الظن إثم) أن الكرة الآن في ملعبهم، لذلك يبدون فرحين بما كسبوه، وأن حكومتهم الجديدة باتت قاب قوسين أو أدنى، لذلك يحاولون بتصريحاتهم وتلميحاتهم وزياراتهم التسويق لمرحلة جديدة، وتوظيف دبلوماسية الكواليس لتحقيق مآربهم. وربما، لمقتضيات مصالحهم الخاصة وسعياً وراء تغيير صورتهم المألوفة سيظهرون بمظهر الحريص على تنفيذ الإتفاقات والتعهدات الواضحة والإلتزام بالدستور والقانون والمواثيق. مع ذلك، يتعامل الديمقراطيون الكوردستانيون معهم بواقعية، ولكنهم لا يثقون بهم لأنهم يعرفون أن تاريخ السياسة، حتى الميكافيلية منها، لم يشهد خيانة أبشع من خيانة اكتوبر 2016، التي شارك فيها هؤلاء بالسلاح والميليشيات أوالكلام والتصريحات أو السكوت تجاه تلك الخيانة التي يندى لها الجبين. ولا يثقون بهم لأنهم على يقين بأن الظروف أجبرتهم على التغيَر، وربما سيعودون إلى سالف عهدهم إذا نالوا ما يبتغون، أو فشلوا في الحصول على ما يريدون، وأنهم قد يستعملون مرة أخرى المكائد والإعلام والفضائيات المأجورة والمسيرات والصواريخ كطريقة للابتزاز، وبالألعابهم المتداخلة سيسعون إلى إثارة القلق وتعقيد المواقف، وإجبار الناس على التفكير في أسوأ النتائج الممكنة، وسحب العراق نحو الهاوية.

أما تعامل البارتي معهم ومع الأحداث بواقعية، فلا يعني الاتفاق ونسيان خيانة اكتوبر 2016، ولا يعني التجانس مع المصالح والآراء المتنوعة لأناس زعموا أن الإستفتاء في كوردستان ينتهك الدستور، ولجأوا الى التصعيد والإقتتال، بينما تركوا التفاصيل غامضة، بل هو إبداء الرغبة في عودة تدريجية للعلاقات الإيجابية من أجل إعطاء الفرصة لتصويب الأخطاء التي قادت إلى المشكلات في السنوات الأخيرة، ويمكن إعتباره، (أعني التعامل الواقعي مع الأحداث)، حكمة تقليدية بارزانية ورسالة لإثبات حسن النوايا البعيدة عن الإنتقام. ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن ما يفعله البارتي في تعاطيه مع الأزمات في العراق نابع من حرصه على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في العراق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close