الصراع الأمريكي الصيني يطيل أمد الحرب في أوكرانيا

حميد الكفائي

كثيرون يعتقدون بأن الولايات المتحدة “استدرجت” روسيا إلى المستنقع الأوكراني لتورطها في حرب لا طائل من ورائها، كي تضعفها كليا وتؤلب الأوروبيين ضدها. غير أن الوقائع والحقائق الماثلة أمامنا لا تدعم هذا التحليل الذي يعتمد نظرية المؤامرة أساسا له.

لكن تحسن العلاقات الروسية الصينية قبيل الحرب، وزيادة مشتريات الصين من الطاقة الروسية، إضافة إلى سجل الدول الغربية في عدم الاكتراث، أو غض الطرف عما فعلته روسيا في جورجيا عام 2008، ثم ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014، ربما كانت عوامل أساسية شجعت الاندفاع الروسي في أوكرانيا مطلع العام الجاري، رغم أنه، لا الصين ولا الولايات المتحدة، يمكن أن تكونا مسؤولتين عن السياسات الروسية التي يقررها قادتها وحدهم.

ومما يدحض الرأي الأول أن الولايات المتحدة، والدول الصناعية عموما، وكذلك باقي دول العالم، كانت واقعة، لعامين كاملين، تحت وطأة جائحة كورونا، التي تسببت في إرباك معظم النشاطات الاقتصادية، بل أصابت الكثير منها بشلل تام، خصوصا قطاعات النقل والسياحة والرياضة والترفيه والتعليم.

وقد أدى ذلك إلى خفض النمو الاقتصادي ورفع معدل البطالة واستنزاف الموارد المالية في العديد من الدول الصناعية، بل خلق مشاكل اقتصادية هيكلية لم تكن في الحسبان، إذ أغلقت العديد من المصانع والأعمال والمتاجر والخدمات أبوابها إلى الأبد في بعض الدول، لأنها لم تستطع أن تصمد في وجه الانكماش الاقتصادي المتسبب عن الجائحة. لذللك لا يمكن أن تكون الحرب الروسية الأوكرانية ذات نفع للولايات المتحدة أو لحلفائها الغربيين الذين تضرروا كثيرا من ارتفاع أسعار الطاقة الذي أربك الاقتصادات الصناعية الغربية عموما، بسبب اعتمادها الأساسي على الطاقة.

هناك أيضا من يقول إن الولايات المتحدة استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة، وبدأت تصدر الغاز السائل إلى أوروبا، لكن الغاز الأمريكي ليس كافيا لسد حاجة أوروبا من الغاز، لذلك سعت واشنطن إلى خفض أسعار الطاقة عبر إطلاقها كميات كبيرة من احتياطها من النفط إلى الأسواق العالمية. كما أن انزعاج واشنطن من قرار أوبك+ الأخير بخفض انتاج النفط، دليل واضح على أن مصلحة أمريكا تُخدَم بخفض أسعار الطاقة، بينما ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية في مضاعفة أسعارها.

الأمر الآخر الذي يدحض نظرية المؤامرة، هو أن الخلافات الأمريكية، والغربية عموما، مع الصين، كانت على أشدها في تلك الفترة، فالصين هي التي تهدد الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية والغربية على العالم، وليس روسيا، التي كانت الدول الغربية جميعا، ومعها الصين ودول عديدة أخرى، سعيدة بتراجع هيمنتها على أوروبا الشرقية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واضمحلال التهديد الروسي لأوروبا، وزوال الخطر الشيوعي كليا عن العالم.

وكانت أوروبا مستفيدة من مصادر الطاقة الروسية الرخيصة الثمن والقريبة منها، وقد مولت ألمانيا 50% من كلفة إنشاء خط “نورد ستريم 2″، الناقل للغاز الروسي إلى ألمانيا، خلافا للتحذيرات الأمريكية المتكررة، بعدم الاعتماد على الطاقة الروسية، باعتبار أن روسيا البوتينية صارت معادية للغرب علنا، وتهدد دول أوربا الشرقية ذات التوجهات الغربية، الأمر الذي دفع بمعظم هذه الدول، الصغيرة منها والكبيرة، إلى الانضمام لحلف الناتو، خوفا من التهديدات الروسية حصرا.

لكن الدعم والتشجيع الصينييْن لروسيا كانا أساسيين، والاستقبال الذي لقيه الرئيس فلاديمير بوتن من الرئيس الصيني، شي جينبينغ، أثناء زيارته بكين قبيل الحرب، والبيان الختامي المشترك، الذي أعلن عن “تعاون لا يعرف الحدود” بين الصين وروسيا، قد شكلت كلها عوامل مهمة في إقدام روسيا على المغامرة الأوكرانية.

لا شك أن الصين لا تقر التدخل العسكري في شؤون الدول المستقلة، ولم تؤيد ما فعلته روسيا في أوكرانيا، ولم تصوت لصالحها في مجلس الأمن الدولي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسوف تقف بقوة ضد استخدامها السلاح النووي، لكنها في الوقت نفسه لم تُدِن التدخل الروسي في أوكرانيا علنا، كما فعلت الهند على سبيل المثال.

وفي الوقت نفسه فإنها مازالت تتعامل تجاريا مع روسيا، وموقفها هذا هو بالتأكيد موقف براغماتي، تتخذه لأسباب تتعلق بمواقف الولايات المتحدة منها، التي لم تسعَ حتى الآن لتحسين العلاقات معها، بل هناك العديد من المواقف والسياسات التي ساهمت في تأجيج الخلافات، وزعزعت الثقة بين البلدين، مثل زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بلوسي، لتايوان مطلع أغسطس الماضي، التي دفعت الصين إلى استعراض قوتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي، والتهديد بضم الجزيرة بالقوة.

في السابع من الشهر الجاري، أقدمت الولايات المتحدة على اتخاذ إجراء جديد، من شأنه أن يؤزم العلاقات مع الصين أكثر مما هي عليه الآن، إذ فرض الرئيس جو بايدن قيودا صارمة وغير مسبوقة على تصدير التقنية المتطورة إلى الصين. وتشمل قائمة الممنوعات الأخيرة أجهزة وتطبيقات وبرامج الذكاء الاصطناعي، وبرامج تطوير الشرائح الكمبيوترية المتطورة والمكائن المصنعة لها. ووفق هذا القانون، صار تصدير مثل هذه الأجهزة والمكائن والتقنيات والمعدات والبرامج ممنوعا دون الحصول على إذن مسبق من الحكومة الأمريكية، وأن الشركات الأمريكية المخالفة سوف تتعرض للعقوبات، وتُمنع عنها التقنيات المتطورة.

ونتيجة لهذا الإجراء، انخفضت أسعار أسهم الشركات الصينية انخفاضا حادا. ولم يقتصر الضرر على الشركات الصينية فحسب، بل امتد إلى الشركات الأمريكية التي تصدر أشباه الموصلات إلى الصين. شركة “إنتل أمريكا” الأمريكية، المُصنِّعة للشرائح الكمبيوترية وأشباه الموصلات، والتي بلغت مبيعاتها للصين، في العام الماضي وحده، 21 مليار دولار، حسب مجلة الإيكونوميست الاقتصادية، تعتزم تسريح آلاف العاملين نتيجة لتقلص التجارة مع الصين.

وكانت عقوبات أمريكية مماثلة قد فُرضت في السابق على شركة “هواوي” الصينية العملاقة للاتصالات وساهمت في إعاقة تقدمها. وتستورد الصين ما قيمته 400 مليار دولار من الشرائح والمعدات الألكترونية سنويا، والعقوبات الامريكية المتزايدة على الصين، تحرم الصناعة الأمريكية من الاستفادة من هذه الفرص، لكن المخططين السياسيين يرون تهديدا أكبر للاقتصاد الأمريكي من الصين التي تنتفع من الصناعة الامريكية تجاريا، على حساب الولايات المتحدة.

هناك من يشكك بقانونية هذه العقوبات، لأنها تلحق أضرارا بالشركات الامريكية، وربما تخالف بعض القوانين الأمريكية، كما يرى الخبير القانوني الأمريكي، بيتر ليختنبوم، في تصريح نقلته مجلة الإيكونوميست. ويتوقع ليختنبوم أن هناك من سيختبر قانونية العقوبات الجديدة في المحاكم.

إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، منعت شركة “توك توك” من التعامل مع الشركة الصينية الأم، “بايت دانص”، عبر أمر تنفيذي أصدره الرئيس ترامب، مدعيا بأن الشركة تهدد الأمن القومي الأمريكي. لكن الشركة رفعت دعوى على الإدارة الأمريكية وربحتها. وكانت شركة مايكروسوفت الأمريكية تعتزم شراء “توك توك”، التي تحتضن مقاطع فيديوية قصيرة، في العادة طريفة أو مهمة علميا أو نادرة، لكن الأمر التنفيذي الرئاسي حال دون ذلك حسب موقع “ذي فيرج” الأمريكي للأخبار التقنية.

لا شك أن العقوبات الأمريكية المتتالية على الصين سوف تلحق بها أضرارا اقتصادية طويلة الأمد وتحد من تنافسية صناعاتها، وفي الوقت نفسه فإنها ستقود إلى مزيد من التأزم في العلاقة بين الدولتين العظميين. الرئيس الصيني، شي جينبينغ، قال في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المنعقد حاليا في بكين إن الصين لا تستبعد ضم تايوان بالقوة في المستقبل.

لكن الصين تعلم أن ضم تايوان ليس بالأمر السهل، لأنه سيقود إلى الإضرار بها وبعلاقاتها المتطورة بالجزيرة، تلك العلاقة النافعة اقتصاديا للصين، والمساهمة في تقدمها. إضافة إلى ذلك، فإن علاقاتها الدولية، خصوصا الاقتصادية، سوف تتأثر سلبا إن هي أقدمت على ضم تايوان بالقوة. الجانب الأهم في السياسة الصينية هو التنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي، اللذان يقلصان الفقر ويحولان الصين إلى قوة عظمى متنامية.

من المستبعد أن تتفاقم الخلافات بين الصين والولايات المتحدة إلى حرب عسكرية، لكن التأزيم المستمر بينهما سوف يدفع الصين إلى الاقتراب أكثر من روسيا، من أجل استخدام الورقة الروسية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وهذا التقارب سوف يعزز من قدرات روسيا وإصرارها على مواصلة الحرب في أوكرانيا ويدفعها إلى المزيد من التشدد في مواقفها.

لو كانت العلاقات الأمريكية الصينية جيدة، لربما تعاونت الصين مع العالم الغربي لإيجاد الحلول للعديد من المشاكل والأزمات العالمية، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، التي خلقت أزمة اقتصادية وسياسية وبيئة عالمية، ويمكن أن تتطور إلى حرب مدمرة تُستخدَم فيها مختلف الأسلحة الفتاكة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close