بحثا عن الهوية المصرية.. عودة أسامة أنور عكاشة من “الباب الأخضر”

فيلم الباب الاخضر

فيلم “الباب الاخضر” يناقش قضية التخلي عن المبادئ والأخلاق لصالح المادة والمصالح الشخصية (مواقع التواصل الاجتماعي)

من بوابة التلفزيون والسينما يعود الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة من جديد، فقد حضر اسمه ضمن دراما رمضان بمسلسل “راجعين يا هوى” والذي قدم المعالجة الدرامية له المؤلف محمد سليمان عبد المالك، وسينمائيا أيضا شارك فيلمه “الباب الأخضر” في المسابقة الرسمية للدروة الـ38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي.

نجاحات رغم الرحيل

أسامة أنور عكاشة الذي يعد أحد أهم كُتّاب السيناريو في الدراما المصرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي ومع الألفية الجديدة حتى رحيله في 2010، لا تزال أعماله تحقق نجاحات واسعة، وآخرها كان مسلسل “راجعين يا هوى”، الذي قام ببطولته الفنان خالد النبوي وبمشاركة نور وهنا شيحة. وفاز المسلسل بجائزة أفضل مسلسل كوميدي في النسخة الأولى لمهرجان الدراما، كما حصل أيضا على إشادات واسعة من النقاد والجمهور وقت عرضه في رمضان.

رؤية مستقبلية

ومن الدراما التلفزيونية إلى السينما التي لم يكن أسامة أنور عكاشة محظوظا في تقديم كثير من أفلامها، جاء “الباب الأخضر” كخامس أعماله في الفن السابع، بعد “الطعم والسنارة” و”كتيبة الإعدام” و”دماء على الأسفلت” و”الهجامة”.

فقد تحمس المخرج رؤوف عبد العزيز لتقديم رواية أسامة أنور عكاشة، وشارك في بطولة الفيلم عدد كبير من الفنانين من بينهم إياد نصار وخالد الصاوي وسهر الصايغ ومحمود عبد المغني وبيومي فؤاد وحمزة العيلي.

وعلى الرغم من أن أسامة أنور عكاشة في تجاربه السينمائية السابقة لم يحقق نفس جماهيرته العريضة التي اكتسبها من التلفزيون، حقق “الباب الأخضر” للجمهور استعادة الحالة الإبداعية لأعمال الكاتب الراحل، وطريقته في تشريح المجتمع ومواجهة الظلم، فسمة أعمال عكاشة دائما هي الاعتماد على الفن والسياسة والتاريخ والبحث عن الهوية، والتغيرات المجتمعية التي أدت إلى طمس الهوية المصرية، إلى جانب براعته في قراءة الواقع وأحيانا التنبؤ بالمستقبل.

صراع الأخلاق والمادة

في قرية مهمشة في عام 1988، يبدأ الفيلم بصراخ امرأة من ألم الولادة، لنتعرف بعدها أنها تضع طفلا ليس له أب شرعي، بعد أن تزوجت عرفيا من شاب جاء إلى القرية هربا من الملاحقات الأمنية لكنه قرر الهرب مجددا قبل أن تضع طفلها، فتحاول البحث عنه في المدينة الواسعة، حيث تذهب إلى القاهرة ومع تطور الأحداث تدخل إلى مصحة الأمراض النفسية.

يناقش العمل قضية التخلي عن المبادئ والأخلاق لصالح المادة والمصالح الشخصية من خلال حقن مجموعة من البشر بمادة من دون علمهم تعمل على تغيير قناعاتهم وأفكارهم.

وفي تصريحات صحفية لنسرين أسامة أنور عكاشة، قالت إن والدها كانت لديه رؤية مستقبلية للأحداث التي تمر بها مصر حاليا، وكان يتوقع هذا التغيير الذي حدث في المجتمع.

الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة (مواقع التواصل الاجتماعي)

تميز في الإخراج والتمثيل

حرص المخرج رؤوف عبد العزيز على تقديم الفيلم من دون أي تغيير لرواية أسامة أنور عكاشة، فأثناء ندوة الفيلم على هامش مهرجان الإسكندرية السينمائي مؤخرا قال إنه تواصل مع ابنة الكاتب الراحل لأنه تربى على أعماله وكان لديه طموح أن يقدم عملا فنيا من تأليف عكاشة.

وقدم كل ما يحمله العمل من تناقض بجماليات سينمائية سواء على مستوى الإخراج وحتى التصوير والأداء التمثيلي، فقد نجح عبد العزيز في اختيار الممثلين وإدارتهم، مثل تقديم الممثلة سهر الصايغ في شخصية عائشة الفتاة البسيطة التي تغادر قريتها من أجل إثبات نسب طفلها من زوجها، بينما تلتقي بالشيخ الذي يجسده أيضا أحمد فؤاد سليم عند الباب الأخضر للمسجد.

كما جاء اختيار الممثل إياد نصار موفقا في تقديم شخصية دكتور شفيع الطبيب النفسي، الذي يبدأ معها رحلة العلاج ورحلة البحث أيضا عن المخاطر التي تتعرض لها، وكذلك الممثلة سما إبراهيم في شخصية نصرة بائعة البخور، ومفاجأة الفيلم كانت بيومي فؤاد المنخرط في الدروشة والصوفية أيضا بعيدا عن اللون الكوميدي الذي يميز أدواره السابقة.

الموسيقى والتناقضات

يعبر الفيلم عن التناقضات البشرية والصراع النفسي والاجتماعي والسياسي الذي تعيشه مصر، من خلال التباين في شخصيات الفيلم سواء البطلة عائشة وأهل قريتها وحتى الدكتور شفيع المهتم بهوية المصريين، والدكتور عباس الذي يقدمه خالد الصاوي وهو شخص انهزامي فشل في إصلاح الأمور، وأيضا شخصية الصحفي الفاسد محمود عبد المغني وشخصيات مختلفة تحاول تطبيق مشروع لمحو ذاكرة المصريين وطمس هويتهم.

وقد نجحت موسيقى خالد حماد في أن تعبر عن الأحداث التي تضمنت مشاعر الغضب والخوف والحب والألم من خلال اعتماد خالد حماد على تداخل وتريات القانون والعود مع الآلات الإيقاعية، وهو ما يشعرنا بحالة من الشجن والتعاطف مع البطلة.

وإن كان العنصر الأضعف في العمل هو المونتاج لوجود بعض الإطالات غير المبررة التي تشعر المتفرج بالملل في بعض الأحيان، غير أن هناك الكثير من المشاهد التي قدمت بحرفية عالية فقدمت التناقض والأزمات وغيرها بصورة سينمائية بالغة الجمال.

يمكن القول إن “راجعين يا هوى” و”الباب الأخضر” هما عودة لأعمال أسامة أنور عكاشة التي أحبها الجمهور لسنوات طويلة، واستطاعت أن تعبر عن الهوية المصرية منذ الثمانينيات وحتى بداية الألفية الجديدة.

المصدر : الجزيرة
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close