صراع الرفاق الدموي في اليمن السعيد ” عدن ”

محمد السعدي

ثمة قراءات لسلسة من الشخصيات في الصندوق الاسود لحاسوبي ، لقد كتبت في زمن بعيد في يومها، واليوم أضعها في حضرة القراء والمتابعين . في صندوقي الاسود ٢٥٠ شخصية بمختلف الألوان والاشكال والاتجاهات بين اليمين واليسار من فهد وسلام عادل الى ناظم كزار وبيريا الحارس الشخصي للرئيس ستالين والذي سقاه السم فقتله والى وحيدة خليل ورابعة العدوية ووووووووو . وأود التنويه الى أمر هام ، ومنذ فترة ليس بالقليلة . قطعت عهداً على نفسي في مجال الكتابة والنشر ، عندما أحاور الشخصيات وأستحضرها ، وأتناول أحداث أي كانت هي ، معتمداً على المعرفة والقراءة والصورة وفي أحيان كثيرة التجربة ، وهي الغالبة .

صراع الرفاق الدموي في اليمن السعيد ” عدن ” .

كثر ممن عاشوا على أرض جمهورية اليمن الديمقراطية وسط شعبها وبين ناسها من شيوعيين وحركات تحرر وقوى يسار وعلى وجه التحديد العراقيين والفلسطينيين ، وكانت لهم حضوة كبيرة من الأهتمام والامتيازات والمواقع ، وشغلوا مراكز مهمة في جسم الدولة اليمنية إنطلاقاً من الفهم الماركسي حول التضامن الأممي وضمانة حرية الشعوب ، لكنهم قله نادرة وتكاد تكون معدومة ممن كتب عن تلك التجربة وممارساتها وهيكل بنائها ولا من وثق الحدث الدامي بين رفاق الحزب الواحد والتجربة الواحدة والتاريخ المشترك من النضال والمقاومة .

دموية ذلك اليوم حدث في ١٣ كانون الثاني العام ١٩٨٦ ، وفي الساعة الحادية عشر وخمسة عشر دقيقة أطلقت الرصاصة الأول في داخل مبنى اللجنة المركزية في منطقة ” التواهي ” من قبل الحرس الخاص لعلي ناصر محمد ضد رفاقه ، لم تكن المفاجئة للمتابعين ولا للرفاق اليمنيين ولا لأصدقائهم المقربين من المناضلين ، كانت كل السيناريوهات مفتوحة للقتال والتصفية والثأر ، والتي أحتدمت بمفترق طريق لاعودة به بعد عودة القيادي الشيوعي عبد الفتاح إسماعيل من موسكو والثأر له من قبل رفاقه ومريديه ضد خط سياسة علي ناصر محمد القابض على دفة الحكم في اليمن بعدة سنوات وعلى أثر إبعاد رفيق النضال عبد الفتاح إسماعيل ورفاقه الى الاتحاد السوفيتي العام١٩٨٠ أي كانت بمثابة عملية نفي وإقصاء وتهميش ، قد تكون قريبة تلك التجربة من فصولها بما حدث في العراق في نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم عندما نفي سكرتير حزب الشيوعيين العراقيين الشهيد سلام عادل وبعض المؤيدين لخط سياسته الى العاصمة موسكو عندما تقاطعت رؤاه السياسية مع رفاقه حول سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم وإدارته لنظام الحكم الساذجة ، فتغلب حوار الدم وكان هو السائد الذي ختم فصول المشهد السياسي للتجربتين اليمنية والعراقية وفي زمنيين مختلفين . كانت ميزة عبد الفتاح إسماعيل عن رفاقه هو عمقه الفكري في الادب الماركسي وأطلاعه على كنوزه الى إنه كان يلقي محاضرات ودروس في المدرسة الحزبية للدارسين في موسكو حول الماركسية اللينينية وقوانينها الديالكتيكية وتطبيقاتها العملية في مسيرة حياة الشعوب ، ولم يكن للرفاق السوفييت رأياً بعودته وهم الأدرى بطبيعة الصراع الرفاقي ومخاطره على التجربة الفتية . وفي أبان عودته إنعقد المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي اليمني في أكتوبر١٩٨٥وتم إنتخاب الرفيق عبد الفتاح إسماعيل لقيادة الحزب وفي عضوية المكتب السياسي وحسب راوي عراقي قريب من وقع الحدث ، عندما أذيعت في قاعة المؤتمر نتائج التصويت من قبل الرئيس علي ناصر محمد أسم عبد الفتاح إسماعيل حرارة التصفيق هزت أركان القاعة وهتافات الحاضرين في قاعة المؤتمر لم تعطي للرئيس علي ناصر محمد برهة من الوقت أن يدلو بالأسماء التي تليه والتي فازت بالتصويت من بعده ، من هنا بدأ التوجس مرة آخرى والعودة الى صراعات السنوات الماضية وجدلية الانتقام الرفاقي والتمسك بكرسي القرار والجاه ، كانوا يعتقدون ” معارضيه ” أن غيابه أو أبعاده خمسة سنوات خارج البلد كفيله بتغيب دوره وحصر تأثيره بين أوساط رفاق الحزب الواحد ، لكن ليس كل مايعتقد ممكن أن يتحقق على أرض الواقع ، وبعد المؤتمر بدأت خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة أحاديث ليس مسرة عن أعتماد نتاهج الإنتخابات في التشكيلة الجديدة ، أي بمثابة ألغائها وعدم الأعتراف بها ومهما كان الثمن ومجرى الدم الذي سيسيل في شوارع العاصمة عدن ، وقد روى رفاق شيوعيين عراقيين قريبيين من الحدث ، عن لقاء جمع جورج حاوي وفخري كريم وبحضور علي عنتر المحسوب على خط عبد الفتاح إسماعيل الذي هدد قائلاً ” لو أبعد عبد الفتاح إسماعيل من سكرتارية الحزب سوف أقتلهم وأقتل نفسي أي أنتحر ” .

في العام ١٩٦٧ تمكن اليمنيين الجنوبيين في نضالهم ومقاومتهم البطولية من تحرير اليمن من آخر ثكنات الإحتلال البريطاني وتأسيس أسس نظام جديد في البناء والديمقراطية تأثرا بالتطورات العالمية في نهضة جديدة من التحرر والمقاومة واليسار ، وقد لعبت الجبهة القومية للتحرير دوراً نضالياً كبيراً في تحرير اليمن الجنوبي من خلال التعبئة الوطنية للشعب في التحرر الوطني بعد إحتلال بريطاني طال١٢٠ عاماً لأرض اليمن ، وكانوا أغلب المنتسبين وأعضاء الجبهة القومية هم ينحدرون من القرى والأرياف خارج العاصمة عدن ومن أهم أنصارها وأعضائها ” علي سالم البيض ، حيدر أبو بكر العطاس ” فكانت للإنتماءات القبلية والعشائرية والمحسوبية دور كبير في ضياع التجربة ، والتي تعتبر الدولة الماركسية الوحيدة في العالم بدين رسمي هو الاسلام ، ولم تكن بعيدة أحداث فيتنام وما سطروه من بطولات وطرد المحتل الامريكي وثورة الطلاب في العاصمة باريس ومواقف الاتحاد السوفيتي في دعم تطلعات تلك الشعوب تركت ظلالها على تطلعات شعوب العالم ، ومن ذلك التاريخ حلم اليمنيين في أسس نظام ثوري عادل في البلد ، لكن الخلافات الأيديولوجية والتي لم تخلوا من دوافع شخصية وقبلية ومذهبية وبتأثيرات أقليمية ودولية ضاعت التجربة ومات الرفاق . وتعتبر الجبهة القومية للتحرير وجهتها الرئيسية الفكر الماركسي في مساندة الأنظمة الاشتراكية حول العالم لمقاومة الاستعمار والاحتلالات ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني في أرجاع أرضه المغتصبة . ينقل عن الدارسين بأوضاع اليمن أن من النقاط الأساسية للخلافات بين القيادة اليمنية وعبد الفتاح إسماعيل مرده هو أصل الآخير ينحدر من اليمن الشمالي ” مذهب الأثني عشر الشيعي ” ما يسمون اليوم ” الحوثيين ” . وتحت هذا السياق والفهم فهو غير محبوب للطرف الآخر . إذن ” كان هناك صراع مخفي من نوع آخر سبق الأنتماءات الحزبية والعقيدة ورغم تحلي عبد الفتاح بالثقافة والفكر وقدرة التحليل والقيادة وتجاوز المذاهب .

في يوم ١٣ كانون الثاني العام ١٩٨٦ في ذلك الصباح الندي المرتقب والموحش بالخوف في العاصمة عدن وفي مبنى اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني طوت آخر صفحات الصراع السياسي بين الرفاق بالدم وضياع التجربة وممن قتل داخل المبنى علي عنتر وعلي شايع هادي وصالح مصلح الذي يعتبر وسيط بين الطرفين ونجا من المذبحة عبد الفتاح إسماعيل وعلي سالم البيض بخروجهم على ظهر دبابتين بأتجاه منطقة التواهي الساعة الثانية بعد الظهر بعد وصول سرب من المدرعات من منطقة ” البوريقه ”تحمل صور علي ناصر محمد بمثابة جواز عبور الى مبنى اللجنة المركزية وفض القتال ، وقد تعرضت الدبابة التي كان على ظهرها عبد الفتاح إسماعيل الى عدة صواريخ مما أدى الى تهشيمها ، وهنا ضاعت الحقيقة بمصير عبد الفتاح إسماعيل وغيابه أي طريقة تصفيته هناك عدة سيناريوهات مطروحه ، حتى بعد أن هدأت الاوضاع شيع بتابوت من قبل رفاقه ومحبيه بدون جثة لانه لم يعثر على جثته ولاحتى على عظم واحد من جسده الهزيل ، الذي هلكته ألاعيب السياسة ومكرها . أما مهمة ودور رجال الرئيس علي ناصر محمد وتحديداً حراسه الشخصين هم من بادر بأطلاق الرصاص على رفاقهم داخل مبنى المكتب السياسي لتزهق مئات من الرفاق أرواحهم ، وفي البداية كانت النهاية كما روي ، عندما دخل حراسه قاعة الإجتماع في بناية اللجنة المركزية ، كانوا جميع الرفاق حاضرين الا علي ناصر محمد فوضع أحد حراسه ترمز الشاي أمام كرسيه الفارغ ، وعندما سألوا عنه المجتمعون قالوا لهم هو في الطريق وفي هذه اللحظة من الدهشة وبطريقة مفاجئة تدل على تبييت الفرصة ودموية المشهد فتحوا حراسه النار على المجتمعين ، وفي لحظتها تطايرت دماء الرفاق وتلطخت جدران القاعة بطشاره . وبدأت حرب شوارع ضروسه وإنتقامات وتصفيات قبلية وأيديولوجية طالت لمدة شهر كامل بعد أن ولى علي ناصر محمد بأتجاه اليمن الشمالي واضعاً على واحدة من يديه لفاف أبيض على إنه مصاب في المعركة ، ولكن الحقيقة هو لم يكن قريباً على دخانها ولا حتى على رائحة بارودها . في الختام هرب مع مئات من رفاقه ومقاتليه وأستقبلوا من حكومة علي صالح السعدي في صنعاء بالاحضان والاهتمام والرعاية وتركوا أرض اليمن تئن من ويلات الصراعات والحرب ولاشيء يلفت الى فداحة الاوضاع الا نظر العسس المدججين بروح الثأر والانتقام . إنها تجربة خيبت آمال الملايين من الداعين الى الحرية والبناء والسلم الاهلي .

ومازال علي ناصر محمد حيياً الى يومنا هذا متنقلاً بين عدة عواصم عربية ، لكن الحقيقة مازالت غائبة عن ثمة تفاصيل مهمة في ضياع التجربة وقتل الرفاق من خلال كتابات وشهادات بعيدة عن الشخصنة والذاتية ، والأمر أيضاً ينطبق على علي سالم البيض وجميع الرفاق الذين نجو من تلك التصفيات لأجل تقييم مسارات تلك التجربة الفريدة في موقعها الجغرافي والبيئي ، وبعد سنوات طويلة من تلك التجربة الفاشلة على أرض اليمن السعيد حول مصير عبد الفتاح إسماعيل نقل عن أهله ومحبيه في تلقيهم مكالمات هاتفية بصوت عبد الفتاح نفسه بعد عشرة أيام من الواقعة ، لكن ما شيع في حينها أن عبد الفتاح إسماعيل مات في يومها وهو على ظهر الدبابة التي خرجت به تحت جنح الليل من مبنى اللجنة المركزية مكان المواجهة الرفاقية وحوار الدم على أثر قصف قوات البحرية للدبابة التي تحمله ، وقد رآها بعد حين بعض العراقيين في الأيام التوالي من الاحداث وكانت محترقه بالكامل وعبارة عن هيكل حديد منصهر ، وعلى ضوء تلك التطورات التي عصفت بالتجربة اليمنية الفتية وما قدمته من مجالات دعم شتى للحلفاء والاصدقاء على أراضيها ، لكن هناك ثمة تداعيات تفرض حالها على المشهد هو الموقف المعلن من تلك الاحداث وتطوراتها قبل الأحداث وأثنائها وبعدها من العراقيين والفلسطينيين والسوفييت ؟.

لقد أكد أكثر من طرف معني بأحداث اليمن ، إن هناك أتفاق مسبق جرى بين علي ناصر محمد والسوفييت في إبعاد عبد الفتاح إسماعيل الى موسكو ، رغم توجس السوفييت وعدم أرتياحهم من إدارة علي ناصر محمد لإدارة العملية السياسية في البلد . وعندما وصل عبد الفتاح إسماعيل الى موسكو في مطلع الثمانينات . كان يتساؤل بأندهاش عن الغرض والسبب الذي جاؤوا بي الى هنا ؟. وقد حدثني الدكتور خليل عبد العزيز عندما ألتقاه في العاصمة موسكو أراد أن يعرف منه السبب في مجيئه الى هنا ولم يلتقيه أي مسؤول سوفيتي رفيع المستوى . ظل السوفييت على هذا الخط من السياسة والتي تثير الريبة والتساؤل تجاه الشعوب المناضلة والداعية الى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاحزاب الشيوعية والبلدان . وقد حان الوقت لكشف مواقفهم هذه أي بحاجة الى التوقف والدراسة في معرفة بواطن تفكيرهم حول تلك الصراعات . فالمواقف المعلنة والمخفية للسوفييت تجاه أصدقائهم من الشعوب والبلدان لم تكن أيجابية وتأتي دوماً متناسقة مع مصالحهم على حساب إرادة وتطلعات الجماهير والتي هي ضمن سياستهم وأنسجاماً مع عقائدهم .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close