ماياكوفسكي .. لا تتهموا أحداً في موتي .

محمد السعدي

ثمة قراءات لسلسة من الشخصيات في الصندوق الاسود لحاسوبي ، لقد كتبت في زمن بعيد في يومها، واليوم أضعها في حضرة القراء والمتابعين . في صندوقي الاسود ٢٥٠ شخصية بمختلف الألوان والاشكال والاتجاهات بين اليمين واليسار من فهد وسلام عادل الى ناظم كزار وبيريا الحارس الشخصي للرئيس ستالين والذي سقاه السم فقتله والى وحيدة خليل ورابعة العدوية ووووووووو . وأود التنويه الى أمر هام ، ومنذ فترة ليس بالقليلة . قطعت عهداً على نفسي في مجال الكتابة والنشر ، عندما أحاور الشخصيات وأستحضرها ، وأتناول أحداث أي كانت هي ، معتمداً على المعرفة والقراءة والصورة وفي أحيان كثيرة التجربة ، وهي الغالبة .

ماياكوفسكي .. لاتتهموا أحداً في موتي .

فلاديمير ماياكوفسكي شاعر وكاتب روسي من أب تتري وأم أوكرانية ، أبوه كان يعمل حارساً على الغابات والمزارع أما أمه أبنة العسكري تهوي الادب والرسم والشعر والمسرح . ولد عام١٨٩٣ في بلدة بغدادى في جورجيا ، وهي البلدة التي سميت فيما بعد بأسمه . في عام١٩٠٦ أنتقل مع أمه وأختيه الى موسكو بعد وفاة والده . طرد من على مقاعد الدراسة لصعوبة ضيق العيش وعدم تدبر مصاريف تعلمه بعد أن أصبح بلا معين وهو شاباً يافعاً.

ألتحق فيما بعد بكلية الفنون في موسكو ، وهناك تعرف على الفكر الماركسي ، ومنذ بدايته شارك في نشاطات حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي ( الجناح البلشفي )، وبالرغم من صغر سنه ، كان مناضلاً نشيطاً دفعته ظروف حياته الصعبة والمأساوية الى الإيمان بالافكار التقدمية كمنفذ للخلاص من الاوضاع المتردية ومن سطوة حكومة القياصرة . كان يشار له بالبنان ومن شعراء الثورة وأبنها البار والمدافع عن بريقها الثوري ، لم يفوت فرصة في جولاته الى العواصم الاوربية مستغلاً أماسيه ومحاضراته وجلساته الخاصة لا يبخل في الدفاع عن الثورة والحزب والادب الروسي . أرتبط بأكثر من علاقة حب عاطفية ( عشك ) بنساء مشهورات في باريس ( تتيانا ياكوفلوفا ) من أصل روسي ، وله قصص أيضاً بنساء في برلين ، لكنهن حالن دون مشروع زواج مما زاد من نقمته على الأنظمة البرجوازية والرأسمالية ونمط العلاقات السائدة فيها.

في مطلع شبابه ، كانت الاحداث اليومية السائده في العالم وتحديداً في روسيا القيصرية نهضة فكرية وتململ ثوري تجاه أنظمة قمعية متسلطة على رقاب الناس وفي قمع حريتهم ، من هنا جاء تحسسه مبكراً بالاشياء والتطورات مما زج بنفسه في صلب تلك الاحداث داعياً الى التغير نحو الافضل ، فهذا لا يتقاطع مع نهج حزبه البلشفي فتعرض الى المطاردة والسجن . عبر عن تلك التوجهات والتطلعات من خلال منافذ الشعر ودعا الى تجديده على أسس الشعر الروسي العريق ، ومن قصائده قبل ثورة أكتوبر١٩١٧ ” غيمه في سروال ” وتعد من أهم قصائده فخرج بها عن المألوف فحطم بها الوزن والقافية مستفزاً مشاعر الناس ومحرضاً لها ضد القوانيين والاسس التي تكبل الحريات والابداع ، في وحي تلك القصيدة تنبأ بوقوع الثورة عام 1916 لكنها تأخرت الى ١٩١٧ لتكن أول ثورة أشتراكية حلم الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين وثوار ، ولتكن منعطفاً حاسماً في العالم كله وأمل شعوبها في الانعتاق نحو غداً أفضل . ولتبدأ مرحلة جديدة في البلاد وفي حياة ماياكوفسكي الابداعية والاجتماعية وليعلن على الملأ : إنها ثورتي . ثورة العمال والفلاحين والمسحوقين بقيادة العظيم لينين ، ومن نشاطاته المبكرة شارك في تهريب ثلاثة عشر سجينة سياسية من سجن ” نوفنسكايا ” وحكم عليه قرابة عام كامل .

إنتمائه الصادق والثوري وضعه في أصطدام دائم داخل الحزب مع المتسللين والنفعيين الذين تبوأوا مراكز مهمة وقيادية في الحزب والدولة بعيداً عن تطلعات وأحاسيس الجماهير ، وهو صغيراً شعر بالفروقات الطبقية في حياته والاغتراب من خلال حياة أقرانه من أبناء الموظفين الروس وأصحاب السلطة والجاه والمميزات التي تمنح لهم على حساب التفوق والابداع ، تلك الاوضاع الملتبسة والبعيدة عن الانصاف والعدالة وظروف بيئته عجلت من إنتمائه الثوري للحلقات الماركسية من خلال الاطلاع على بياناتهم السرية والعلنية ، وكان الدور لاخته ” لودميلا ” الطالبة في جامعة موسكو تأتي بكل إجازة مع حزمة من البيانات والمنشورات لاخيها ماياكوفسكي . إختير للعمل لنشاطه المبكر في مطبعة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ” البلاشفة ” ففي واحدة من الحملات البوليسية في مداهمة مقرات الحزب البلشفي وأوكاره . إعتقل مع مجموعة من رفاقه وهو الأصغر بينهم عمراً وأنتماء حزبي فأودعوه في السجن وهو صغيراً مما أشفع له لاحقاً بعدم سجنه لمدة طويلة . وكانت لوالدته أيضاً دور ليس قليل في الاسراع من تجنبه من فترة السجن الطويل ، في السجن تعرف على ” بايرون / شكسبير ” وقرأ أشعارهم وأستقرأ أرائهم الادبية والسياسية . وقرأ للادب الروسي بوشكين ، ليرمنتوف ، دستوفيسكي .

في ١٤ نيسان عام١٩٣٠ . بعد أن حوصر من كل الجهات كمبدع وفنان ومنع من السفر خارج الاراضي السوفيتية . أطلق النار على قلبه من مسدس كان بحوزته ، وعثروا بعد موته على أقصوصة ورق كتب عليها ” لا تتهموا أحداً في موتي ” وأرجوا أن لاتنموا ، فالراحل لم يكن يطيق ذلك ” .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close