دولة سومر، النبع الحضاري الاول في تاريخ الانسان !

دولة سومر، النبع الحضاري الاول في تاريخ الانسان ! (*) د. رضا العطار

تنقيبات !

يمكن القول ان الساميين قد هاجروا من الجزيرة العربية الى بلاد الرافدين قبل مجئ السومريين بزمن طويل. ومهما يكن من الأمر، فالأخصاب الحضاري قد اوجد مدنية راقية في بلاد سومر. كان العنصر السامي فيها هو الغالب.

وعندما عثر المنقبون على اثار تاريخية مهمة في كل من الوركاء على نهر الفرات في الجنوب وفي نينوى في الشمال وفي جمرة نصر قرب المسيب في الوسط، كان تاريخها يعود الى 3200 ق م تأكد لدى الباحثين ان وادي الرافدين كان حقا المهد الحاضن لحضارات مزدهرة ( 4 )

لقد بدأ العنصر السومري القديم في الالف الرابع، ولم تكن لغته لغة شاملة بل كانت هناك لهجات خاصة لبعض فئات المجتمع. فمثلا كان للكهان لغة خاصة بهم واخرى لرعاة الماشية. واما لغة النساء فكانت تدعى ( ايمي – سال ) وتعني اللسان السليط. وكانت تلفظ ( لشان سليطي ) . والى جانب اللغة السومرية كانت اللغات السامية منتشرة في كل من الدولة الاكدية والبابلية والاشورية التي تأثرت بالسومرية وبنظامها المسماري.

كانت حضارة بلدان المنطقة متاثرة بعضها بالبعض الاخر منذ الاف السنين بعاملين اساسيين : الاول العلاقات التجارية والثاني اللغة العربية، لغة القرآن التي انتشرت بعد بزوغ فجر الاسلام. وكان العامل المساعد لهذا الانتشار الجليل هو تقارب اوجه الشبه بين اللهجات العربية في بنيتها الكلامية وقواعدها النحوية فالفعل يسبق الفاعل والصفة تتبع الموصوف. ( 5 )

يدعو الباحث الفرنسي – جورج كانتو – شعوب الشرق الاوسط القديم التي استوطنت مناطق آسيا الغربية منذ اقدم العصور بأسم ( الأسيانيين ) اي سكان غربي قارة آسيا الاوليين ومنهم السومريين. فالمجتمع السومري هو اقدم مجتمع رافدي، كان له اسم و لغة وهي تعتبر اقدم لغة في تاريخ الانسانية. ويفترض ان تكون العناصر المكونة للمجتمع السومري قد تواجدت قبل اختراع الكتابة بزمن طويل. ولكننا لا نعرف شيئا عن المرحلة التي سبقتها. سوى ما تركه سكان عصر العُبيد من اثار مادية.

يكتنف الغموض اصل السومريين وهذه مسئلة مستعصية. فلا نعرف لحد الان، من اين جاؤا ؟ ومتى جاؤا ؟ … ولذلك تبقى هذه المسئلة معلقة. فأصل السومريين مجهول. فلا نعلم الى اي عرق ينتسبون ومن اي اصل ينحدرون. فلغتهم ليست لغة سامية. كما انه ليس لكلمة سومر اي مدلول عرقي.

لا يمكن الكلام عن فجر الحضارات في العراق القديم دون ملاحظة ما كان يجري في سائر بلدان المشرق العربي الذي كانت ارضه وحدة مشتركة. والمعروف من الدراسات المستفيضة ان التواصل الحضاري بين وادي الرافدين وبقية بلدان الوطن العربي كان موجودا منذ اقدم العصور. وتاريخ هذا التواصل كان مابين العصر الحجري الحديث ومطلع العصور الكلاسيكية.

ومن جهة اخرى طرحت نتائج التنقيبات الاثرية الحديثة التي اجريت في سورية العربية، وتحديدا في حوضي الفرات والخابور، تسائلات عن سكان المستوطنات الاولى التي استعملت اشكالا من الكتابة التصويرية المبكرة مثلما كانت موجودة عند السومريين. وبعد هذه المقدمات يمكن القول ان السومريين هم محصلة تطور محلي للسكان في جنوب العراق القديم. فقد غاب كل اثر عن اخبارهم قبل مرحلة استقرارهم.

تختلف الصفات الخلقية للسومريين مقارنة بالساميين فهم لا يشبهون شعب العراق ولا بقية الشعوب العربية. فالسومريون قصار القامة ذو بنية قوية وانوفهم مرتفعة وعريضة لا تشبه انوف الساميين الدقيقة. اما رقبة السومري فقصيرة تحمل هامة كبيرة. وكان السومريون يتدثرون بالملابس الصوفية، مما يستدل انهم اتوا من مناطق جبلية باردة.

يذكر العالم – ل وولي – الذي نقب في موقع اور الكائن حاليا قرب مدينة الناصرية انه وصل في حفرياته الى طبقة كثيفة من الطين خالية من اثار الحضارة، واعتقد انها قد تكون نتيجة فيضانات هائلة غمرت هذه البقاع زمن الطوفان. ولربما جاء السومريون في اعقاب حضارة كانت قد اندثرت. كانت مناطق تل العبيد واريدو اهم مراكزها.

لقد اعلن العالم الالماني – شلوتزر – عام 1781 ان الشعوب التي شغلت المنطقة الكائنة بين البحر المتوسط غربا وارض الرافدين شرقا حتى بلاد العرب جنوبا كانت تتكلم لغة واحدة دعاها باللغة السامية كما اطلق مصطلح الساميون على الشعوب الارامية والبابلية والعربية والعبرية بأنتسابهم الى اصل مشترك. طبقا الى جدول الانساب بعد الطوفان حسب ( سفر التكوين : 10 ) فالرواية التوراتية تجعل هؤلاء الاقوام منحدرين من ابناء نبي الله نوح ( 6 ) بينما يعتبر الباحث – بوتيرو – ان الروايات التوراتية فقدت اقدميتها في تاريخ الاداب العالمية بعد الكشف عن الوثائق المسمارية للدولة السومرية وامكانية ترجمتها في اواسط القرن التاسع عشر من قبل علماء الاثار الغربين ( 7 ).

الى دراسة جديدة في العدد القادم

* مقتبس من كتاب الواح طينية السومريون لصموئيل كريمر جامعة شيكاغو 1963

4 ـ صموئيل كريمر السومريون شيكاغو 1963

5 ـ احمد بدوي اللغة المصرية القديمة وصلتها باللغات السامية مجلة مجمع اللغة العربية القاهرة 1961

6 ـ توفيق سليمان اسطورة النظرية السامية دمشق 1981

7 ـ بوتير ولادة الالهة غاليمار باريس 1986 بالفرنسية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close