مستشارون.. أم بَطانة؟

عبدالمنعم الاعسم

الضجيج (والتشفي) الاعلامي الذي رافق إبعاد بضعة موظفين في مكتب رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي يثير الخجل حقا مما آلت اليه (وانحطت) اخلاقيات التداول السلمي للسلطة ومعايير الاصلاح في “دولة” العراق، وبلغ الامر ببعض المحسوبين على “العهد الجديد” ان حمّلوا اولئك الموظفين مسؤولية ضياع ثروة العراق، والتلاعب بموارده، والاساءة الى سمعته في العالم، ولم تبقَ صفة مذمومة إلّا والقوها على اولئك الموظفين، على الرغم من ان المهاجمين يتحدثون عن “دولة” القانون والعدالة بين جملة واخرى.

الى ذلك، صار تقليدا مكرراً ان يُبعِد رئيس الحكومة الجديد موظفي مكتب رئيس الحكومة السابق ويُحّل محلهم فريقاً من “ابناء القرية” والمحازبين، والمهرة بالتصفيق والتلميع، وقد يسبقه الوزراء الجُدد بهذه الاجراءات وفاءاً لتعهداتٍ نحو الحزب الذي اختارهم للحقيبة (اللقطة) فيما تتولى اللسانيات الاعلامية التابعة، واللسانيون الاجراء، امتداح هذه الاجراءات الادارية كاصلاحات “انقلابية” تنتظرها الملايين المهانة، مع فيض من عبارات شفاء الغليل بالراحلين مقابل مكياج فاقع للقادمين، والحال (كما يُزعَم في كل مرة) ان النزهاء حلوا محل الفاسدين، وان عهدا جديدا من الضبط والربط في مركز القرار قد بدأ.

حدث هذا في جميع الحكومات، من دون استثناء، ولم يكن ليثير العجب، او الاستنكار، اذ يجري ذلك في مزرعة مستباحة، وليس في دولة تحترم انتسابها الى القرن الواحد والعشرين لزوم ان تُعنى بكوادرها الادارية، وتحترم الاختصاصات والكفاءات الوطنية، وتعتمد معايير المهنة والنزاهة والخبرة كقاعدة ادارية في تقييم نجاح وفشل موظفيها، وفي تغييرهم حين يتطلب الامر ذلك. اما جيوش المستشارين الملحقين بمكتب سلطة القرار فان النماذج التي تتداولها المحافل والمعلومات وزلات اللسان تكشف عن الهدر المنهجي للمال العام في هذا الباب، والهدر المتعمد لسمعة الوظيفة، والهدر الكوميدي بوعود استعادة الدولة.

من زاوية اخرى، ابتـُذلت، مسميات “المستشار” او “الخبير” في غالبية الحكومات، الى حد ان احد المسؤولين الكبار لم يجتمع الى مستشاريه الذين عينهم طوال فترة ولايته، ومسؤول آخر كان يُلزم مستشاريه ان يتناوبوا على الظهور في الفضائيات ويملي عليهم نصوصاً يلتزمونها في اللقاءات، مثل مهرجين، ومسؤول ثالث حوّل بعض مستشاريه الى سماسرة، ورابع اصر على ان يكون مدراء مكتبه ومستشاريه في خدمته حصراً ومستقلون عن الادارة وموظفيها وشؤونها، وذكر لي موظف مرموق بمؤسسة دولية ان مسؤولا كبيرا شارك في مؤتمر لليونسكو بباريس كان يناقش ملفا عراقيا، لم يحضر سوى جلسة الافتتاح البروتوكولية وقضى ايام المؤتمر جميعها في منتجعات مع مرافقه “المستشار” والاخير موكول له اعداد والقاء “المداخلة العراقية” في المؤتمر.

في اجتماع طهران التاريخي لزعماء التحالف الدولي ضد المانيا الهتلرية نهاية العام 1943 حيث تتجه معارك الجبهات الى هزيمة هتلر كان ستالين وروزفلت وتشرشل يوقفون التفاوض بعض الوقت ليعودوا الى مستشاريهم الذين لعبوا دورا كبيرا في تغيير عقول المتفاوضين وتزويدهم بالافكار والمعطيات الحية والموثقة، ويقول كبير مؤرخي الحرب، البريطاني انتوني بيفور، ان لمستشاري الرؤساء الثلاث دور خطير في تقريب وجهات النظر والتعجيل بتحقيق الانتصار.. ولم يتصرف المستشارون كبطانة.

استدراك:

“عندما يدخل الثأر من الباب، تخرج العدالة مع السخام من المدخنة”.

مثل تركي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close