تشويه معلم حضاريّ في بغداد… أيدي “الصيانة” تعبث بنصب كهرمانة


ياسمين الناطور

عام 1971 أزيح الستار عن نصب كهرمانة الذي نحت تفاصيله الفنان العراقي محمد غني حكمت. ويعتبر هذا النصب المعلم الفنيّ والثقافيّ الأكثر شهرة في بغداد، واختارته الأمم المتحدة واحداً من 165 معلماً حضارياً لأكثر من 45 دولة حول العالم، ويقع عند تقاطع شارع السعدون – الكرادة، في العاصمة العراقية.

لم تشفع له طريقة اتقانه ولا حتى جماله ودقة نحته، بسبب موقعه وسط الطريق من دون سياج أو حماية، فكان عرضة لحوادث عدة كان آخرها حادث ارتطام تحطمت بسببه ستّ جرّات من النصب وتصدّعت أساساته.

للنصب أبعاد ثقافية وتراثية تمتدّ بجذورها إلى تراث الأدب الشعبي العالمي لا سيّما قصة “علي بابا والأربعين حرامي” المروية ضمن سلسلة “ألف ليلة وليلة”. ويروي التمثال ما فعلته الخادمة مرجانة عندما زار كبير اللصوص قصر علي بابا، وكان متنكراً بزيّ شاهبندر، ولكنه أدخل معه إبلاً تحت سنامها جرار كبيرة. إلّا أنّ الخادمة مرجانة كشفت أمر اللصوص المختبئين في هذه الجرار، فصبّت فوقهم الزيت المغلي. هذا النصب بات يروي كلّ يوم رواية في بلد يحارب الفساد ويواجه الأزمات.

ولدى عراقيين آخرين رواية أخرى، ليست بعيدة من القصة الأصلية، وهي أنّ هذا النصب يجسّد قصة امرأة تدعى “قهرمانة” (بالقاف وليس بالكاف)، وهي طفلة مفعمة الذكاء وكان والدها يملك فندقاً يسمّى “الخان” خصّصه لاستراحة المسافرين، وكان أيضاً يملك عربة يحمّل عليها جرار الزيت، ليتمّ بيعها كلّ يوم في السوق.

وفي ليلة باردة، سمعت “قهرمانة” أصواتاً غريبة تصدر من الجرار، وشاهدت عدداً من الغرباء يختبئون فيها، وكانوا يطلون برؤوسهم لمراقبة رجال الشرطة. إلّّا أنها أسرعت لإخبار والدها، واتفقت معه على إحداث ضجة في الخان لكي يخفي اللصوص رؤوسهم فتقوم هي بملء إحدى الأواني بالزيت، وراحت تصبّه في كلّ الجرار، حتى أدّى صراخهم إلى فضح أمرهم ووقعوا في قبضة رجال الشرطة.

من يسير من أمام هذا النصب اليوم، يرى أنّ تشويهاً أصابه، إذ إنّ جراره ذات اللون الإسمنتي تمّ دهنها بصباغ أخضر، وتمّ قدح الجرار بأنابيب بلاستيكية واضحة للعيان أفقدت النصب قيمته الحضارية، وبات أشبه بخزّانات عامّة.
نصب كهرمانة عند مدخل الكرادة وبدت معالم التشويه بالقساطل الخضراء التي اخترقت الجرار التاريخية التي تجسد قصة النصب ورمزيته.

وفي حديث خاص لـ”النهار العربي” مع الأستاذ الجامعي ورئيس هيئة سابق للسياحة محمد العبيدي قال: “لم نلاحظ اهتماماً بالنصب حتى قبل 2003، والجدير بالذكر أنّه لا يمكن التلاعب بالنصب حتى في لونه أو معالمه، لأنه قد يغيّر من المعالم الجمالية التي حرص عليها النحّات العراقي محمد غني حكمت عند إنجازه”.

وذكر أنّ “العبث بنصب كهرمانة أصبح واضحاً للغاية، وما أفقده قلبه النابض وجماله هو عملية صيانته ومحاولة إرجاعه إلى ما كان عليه في السابق، ويرى أن أحد الحلول هو استشارة مجموعة من النحاتين بالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار المتمثّلة بدائرة عريقة يرأسها المدير العام لدار الفنون الدكتور فاخر محمد، بالتعاون مع جمعية التشكيليين ونقابة الفنّانين”.

هذه الصورة تختزل حال العراق وتجسد تخلف الطبقة السياسية ونوع العقلية التي تحكم العراق.
حينما يتم تشويه نصب كهرمانة للمبدع محمد غني حكمت على هذا النحو فهو يمثل صورة تخريب العراق على أيدي هذه الطبقة السياسية الفاسدة والغارقة في التخلف. pic.twitter.com/h97oM14PBK

— Basil Hussein | باسل حسين (@Drbasil14) September 20, 2022
وأصدرت أمانة بغداد بياناً جاء فيه أنّها “تعاقدت مع الفنان والنحات العراقي الكبير عبد الحميد سعيد الزبيدي رئيس فرع النحت في معهد الفنون الجميلة سابقاً لصيانة النصب وإصلاح الأضرار، مشيرة الى أنّ “تلك الأنابيب ظهرت نتيجة ارتطام العجلة بالنصب، وهي من مكوّنات النصب، وتمّ استبدالها بأنابيب جديدة ضمن أعمال الصيانة، وستختفي تلك الأنابيب بعد وضع باقي الجرار التي تضرّرت”.

المصدر: النهار العربي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, , ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close