مهندس بغدادي يرعى برنامجاً لتوثيق معالم تراثية متهالكة في بغداد تعاني الإهمال

 ترجمة / حامد أحمد

معالم تراثية ذات قيمة تاريخية كبيرة تعاني الاهمال والاندثار في احياء قديمة من بغداد وسط عدم استقرار اجتماعي وسياسي وغياب مشاريع للحفاظ عليها، دفعت بمهندس معماري من احد أهالي بغداد الى ان ينذر نفسه ضمن برنامج لتوثيق المعالم التراثية الاثرية المندثرة في بغداد التي وقعت ضحية عقود من حروب واهمال وسوء إدارة.

المهندس المعماري، محمد صالح 52 عاما، قال لموقع ذي ناشنال الاخباري، وهو يقف بجوار بناية مهدمة عند أحد ازقة منطقة السنك وسط بغداد يعود تاريخها لأوائل القرن الماضي “لسوء الحظ، تراثنا والبيوتات البغدادية القديمة تعاني الاندثار والزوال. أنه لأمر محزن جدا ان يصف أحد بغداد اليوم”.

بغداد، التي تعرف قديما بالمدينة المدورة أو دار السلام، قد تم بناؤها من قبل الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور للفترة ما بين 762 و775 بعد الميلاد، لتكون بمثابة عاصمة الإمبراطورية العباسية التي تمتد حدودها من الجزائر الى باكستان.

وعلى امتداد خمسة قرون تقريبا كانت بغداد تمثل مركز القوة الاقتصادية والسياسية في العالم في عهدها الذهبي. وكانت واجهة يقصدها طلاب العلم والشعراء والفلاسفة والعلماء وآخرون من مختلف ارجاء العالم. وبعد الغزو المغولي لبغداد عام 1258 وما خلفه من خراب جاءت حقبة الإمبراطورية العثمانية التي استمر حكمها لبغداد لحد عام 1918 وسقوطها بعد الاحتلال البريطاني.

ويعود شغف المهندس المعماري، صالح، لاستكشاف معالم بغداد القديمة رجوعا للعام 1989 عند دخوله لكلية الهندسة وبحثه في مناهج ومراجع تقنيات البناء القديمة ومخططات المدن القديمة المعمارية التي قادته للمناطق التراثية القديمة في بغداد.

بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط النظام السابق، قرر صالح ان يستخدم ويسخر خبرته لخدمة الصالح العام.

وقال المهندس المدني الذي يعمل في وزارة الصناعة “سابقا الامر لم يكن سهلا وانت تحمل كاميرا لالتقاط صور بدون موافقات امنية من السلطات. ولكن منذ العام 2003 أصبحت هناك مساحة من الحرية وبإمكان أي شخص الان يحمل هاتفا مزودا بكاميرا ان يلتقط صورا في المناطق العامة”.

اعتاد صالح خلال الأيام التي ليس لديه فيها عمل وفي أيام العطل ان يتجول ما بين ازقة بغداد القديمة الملتوية التي لا تعد ولا تحصى والتي تبدو كأنها شرايين حول المدينة. وعند نهاية كل جولة يقوم بتدوين وكتابة تعليق على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، عن ما شاهده وشرح الخلفية التاريخية لكل موقع زاره مرفقا إياه بصور جديدة وقديمة.

ويقول صالح “قراءاتي ومعلوماتي الاكاديمية توفر لي 75% من المعلومات عن الموقع ومكان وجوده، اما الـ25% الأخرى من المعلومات فاحصل عليها من الناس عبر تعليقاتهم. بعض الأحيان اعثر على ركام احجار فقط أو جدران أو لا اعثر على شيء”.

فقدت بغداد خلال العقود الأخيرة أجزاء مهمة من معالمها المعمارية التراثية بسبب عدم استقرار اجتماعي وسياسي وغياب مشاريع وخطط الحفاظ عليها.

قسم من المعالم التراثية القديمة التي كانت تعود يوما لوجهاء وشخصيات معروفة تحكي قصة الماضي ما تزال تقف شاخصة للعيان. فهي اما تكون عائدة للحكومة الان او من الممتلكات الخاصة.

وبغياب سلطة القانون لجأ كثير من المالكين الى تهديم بيوتهم القديمة بدون موافقات أصولية لبناء مباني جديدة محلها. قسم آخر من الأبنية التراثية تم تحويلها، بشكل غير رسمي، الى ورش ومخازن. وبالنسبة لبعض المالكين والمستأجرين، فان صالح يعتبر ضيفا غير مرحب به.

انه يعتقد بأنهم يخشون ان تسليط أي ضوء على أوضاع الأملاك المخربة والمهدمة من خلال الصور التي يعرضها على صفحته في فيسبوك قد تثير وتستفز تحركا من قبل الحكومة. ولكن في بعض الأحيان تستطيع مهاراته في المحاورة والتفاوض ان تفتح بعض الأبواب.

في أواخر شهر تشرين الثاني تمكن من التسلل لقصر رجل الاعمال والتاجر العراقي، مناحيم صالح دانيال، في منطقة السنك المنحدر من اسرة يهودية والذي ولد في بغداد عام 1846 والمتوفي عام 1940. القسم القديم من القصر المطل على نهر دجلة تم تشييده عام 1919 للعائلة، اما الجزء الاخر المطل على شارع الرشيد فقد تم تشييده للضيوف بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ.

البيت المكون من طابقين لديه سلالم من الرخام ومؤطر بزخارف هندسية ونوافذ مشبكة ومداخل عريضة. وكما هو الحال مع ممتلكات الطائفة اليهودية الأخرى، اعتبر البيت من الأملاك المجمدة وذلك منذ خمسينيات القرن الماضي. واوكلت الحكومة اعمال ترميم وتأهيل البيت لشركة محلية.

عند مدخل الجزء القديم من البيت تم اعتراض صالح من قبل المشرف على العمل، ولكنه تمكن من اقناع الرجل والسماح له بالدخول. وبعد دقائق وجد ما كان يبحث عنه. وقال صالح وبريق الفرح يبدو من خلال عينيه “هنا يوجد أول مصعد بني في العراق”. قال وهو يشير الى المصعد العاطل الذي بناه مناحيم لزوجته التي لا تستطيع صعود السلم.

وخلال العام 2021 كانت رحلة صالح الطويلة قد أعطت ثمارها. فقد ألف كتابا تحت عنوان، ما تبقى من اطلال بغداد، وهو كتاب يأخذ القارئ في رحلة لبغداد يطلع فيها على قصة كل موقع. وقال صالح “عندما اتجول في ازقة بغداد واشاهد البيوت القديمة والأسواق والجوامع، اشعر وكأنني أعيش مجدها القديم، اشعر بالراحة وأنسى همومي”.

عن ذي ناشنال

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close