روسيا ليست دولة عظمى… إيران تتقدّم وأردوغان لن يصغي

دبابات روسية مدمرة في أوكرانيا
كشفت الحرب في أوكرانيا عن مدى الضعف الذي يعتري روسيا وآلتها العسكرية. ولا يزال العديد من المراقبين والمتعاطفين مع روسيا ينظرون إليها على أنها الدولة ذاتها التي خاضت الحرب العالمية الثانية وواجهت أميركا والغرب خلال فترة الحرب الباردة، إذ كانت أحد قطبي النظام العالمي حينها. لكن الواقع أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفياتي، ولن تستطيع أن تصل إلى قوته مهما حاولت بسبب التغيرات الجيوسياسية والديموغرافية والتكنولوجية.

كانت مساحة الاتحاد السوفياتي 22.4 مليون كيلومتر مربع، ولكن بعد انهياره عام 1989 وانشقاق مناطق عدة عنه لتشكل دولاً مستقلة، باتت مساحة روسيا الاتحادية 17.1 مليون كيلومتر مربع. هذه المساحة المقتطعة تضم مواد أولية ونفطاً وغازاً وأراضي زراعية ومصانع وثروات أخرى كانت جزءاً من الاقتصاد السوفياتي، وهي اليوم خارج الاقتصاد الروسي. كما أن روسيا الاتحادية لا تتمتع بالقوة البشرية التي كان يملكها الاتحاد السوفياتي الذي بلغ عدد سكانه عام انهياره 286 مليون نسمة. أما اليوم فيبلغ عدد سكان روسيا الاتحادية 143.5 مليون نسمة، في وقت يبلغ عدد سكان أوكرانيا، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي، 44 مليون نسمة.

كانت القوة البشرية والجغرافية والاقتصادية، ولو في نظام اشتراكي – شيوعي، تملك قدرة قوية على تنظيم صناعاتها الدفاعية، ما مكّنها من امتلاك قوات برية مدججة بالمدرعات والمدفعية تتفوق كمّاً تفوّقاً كبيراً على حلف الناتو. كما أظهرت الآلة الصناعية السوفياتية قدراتها الهائلة خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تمكنت مصانعها من إنتاج أكثر من 50 ألف دبابة تي-34. ورغم أن الدبابة لم تملك القوة النارية والتكنولوجية التي كانت تتمتع بها الدبابات الألمانية، إلا أنها كانت تكسب المواجهات في آخر مراحل الحرب بسبب تفوقها العددي. فكان القادة الألمان يتفاجأون باستمرار بالأعداد الكبيرة للدبابات والمدافع التي يدفع بها الروس إلى أرض المعركة مهما بلغت خسائرهم. فمع انتهاء الحرب بلغت خسائر روسيا من دبابات تي-34 نحو 44 ألف دبابة. والاتحاد السوفياتي كسب الحرب بسبب نجاح مصانعه بدعم آلة الحرب طوال الفترة.

أما خلال الحرب الباردة فقد تمكنت مصانع الاتحاد السوفياتي من إنتاج عشرات آلاف الدبابات والمدافع والطائرات والصواريخ. لكن التكلفة الهائلة للصناعات الدفاعية أنهكت الاقتصاد السوفياتي الذي عجز عن مجاراة الغرب، وانهار النظام الشيوعي في نهاية المطاف، وتفككت الدولة. كما أن الاتحاد السوفياتي كان يملك نفوذاً قوياً داخل دول شرق أوروبا التي كانت جزءاً من حلف وارسو بقيادة موسكو. وعليه، فإن مقدرات دول مثل بولندا وبلغاريا ورومانيا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا كانت إلى حد كبير بتصرف القيادة السوفياتية. فكانت القوات المسلحة لهذه الدول تعتبر جزءاً من الآلة العسكرية السوفياتية، ومصانع هذه الدول توفر دعماً لسائر دول الحلف.

أما اليوم، فدول أوروبا الشرقية التي كانت في حلف وارسو هي ضمن حلف الناتو ومعادية لروسيا الاتحادية. كما أن دول البلطيق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي هي ضمن حلف الناتو. وأوكرانيا التي كانت تضم بعض مصانع الطائرات الحربية والدبابات والصواريخ السوفياتية، هي في حالة حرب مع روسيا وتتلقى دعماً عسكرياً كبيراً من الغرب لاستنزاف موسكو عسكرياً واقتصادياً.

انهيار الاتحاد السوفياتي أفقد روسيا عمقاً استراتيجياً ومزايا جغرافية مهمة. فهي لم تعد تهيمن على البحر الأسود الذي كان يعتبر منطقة نفوذ أساسية وشبه مطلقة لحلف وارسو. فتركيا كانت الدولة الوحيدة في حلف ناتو التي تملك منافذ على البحر الأسود، أما اليوم فباتت هناك دول عدة من الناتو تملك هذه الميزة. كما أن انضمام دول البلطيق إلى حلف الناتو أفقد روسيا مساحة مهمة على بحر البلطيق، ولم يبق لها سوى مدينة كاليننغراد كمنفذ وحيد، لكن الوصول إليه يتطلب ممرات عبر دولتي حلف الناتو بولندا وليتوانيا. وبعدما كانت دول أوروبا الشرقية، بواسطة حلف وارسو، تشكل عمقاً استراتيجياً لها مع حلف الناتو، بات الأخير موجوداً مباشرة على طول حدودها الغربية.

لا تملك روسيا أي صناعات مدنية تكنولوجية مهمة ومنافسة. فرغم أنها كانت أكثر تقدماً من الصين صناعياً خلال الحرب الباردة، فإن الصين باتت اليوم أكثر تطوراً من روسيا بأشواط. فالصين تصنع وتصدّر سيارات وأجهزة اتصال خلوية وأدوات كهربائية وإلكترونية وتنافس المنتجات الغربية، فيما لا وجود للصناعات الروسية في هذه القطاعات في الأسواق العالمية. فالاقتصاد الروسي يعتمد اعتماداً كبيراً على النفط والغاز. وحتى الصناعات الدفاعية لم تثبت نفسها في الحرب الأوكرانية، إذ بدا جلياً تفوق الصناعات الدفاعية الغربية. فجزء كبير من الأسلحة الذكية الروسية كانت تعتمد على قطع غيار ورقائق إلكترونية مصدرها الغرب. حتى أن المصانع الروسية لا يبدو أنها قادرة على تلبية حاجات القوات الروسية على الجبهات، ومن هنا أتى قرار موسكو اللجوء إلى إيران لتزويدها الطائرات المسيرة الهجومية والصواريخ الجوالة. كما أن هناك تقارير عن شراء روسيا ذخائر وصواريخ من كوريا الشمالية لتأمين حاجات مقاتليها.

بحسب تقديرات الاستخبارات الغربية، فقدت روسيا ما يقارب نصف قدراتها العسكرية التقليدية. وبسبب عجز مصانعها عن تعويض ما خسرته في الحرب، فهي تستخدم دبابات تعود إلى حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وبعدما فشلت قواتها في تحقيق أهدافها على الأرض، واضطرارها للانسحاب من مساحات كبيرة من الأراضي التي كانت قد احتلتها في أوكرانيا في آذار (مارس) الماضي، تعمد الآن إلى قصف البنية التحتية الأوكرانية لإجبارها على الدخول في مفاوضات لإنهاء الحرب. وهذا دليل عجز القوات الروسية عن تحقيق أي نصر عسكري والسعي إلى سياسة القصف الاستراتيجي لإخضاع كييف.

وبناءً على ما تقدم، فإن روسيا الاتحادية اليوم بعيدة جداً من استعادة مكانة الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى. فهي لم تعمد تملك مقومات القوة العظمى: القوة البشرية والقوة الاقتصادية (الصناعية تحديداً) والعسكرية التقليدية. فهي قوة أساسية لها وزنها على الساحة الدولية ومؤثرة في قطاعي النفط والغاز، وتملك ترسانة نووية كبيرة وعضو في مجلس الأمن الدولي. لكنها لا تملك نفوذ القوة العظمى حول العالم، ومن غير المرجح أن تصل إلى هذه المكانة في أي وقت قريب. وإذا ما استمرت مجريات الحرب في أوكرانيا على حالها، فهي ستخسر المزيد من قدراتها العسكرية والاقتصادية. يجب على دول الشرق الأوسط أن تنظر إلى روسيا حسب واقعها الحالي وليس من منظار أنها استمرار للمكانة التي تمتع بها يوماً الاتحاد السوفياتي، أو كما يحاول الرئيس بوتين أن يوحي لشعبه وللمجتمع الدولي. فأيام القيصر الروسي ولّت، ومن المستبعد أن تنقذه مسيّرات إيران وذخائر كوريا الشمالية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close