مثقفية المعارضة حاضرا، خير ضمان لمستقبل افضل!

مثقفية المعارضة حاضرا، خير ضمان لمستقبل افضل! * د. رضا العطار

حينما اراد الفيلسوف الانكليزي برتراند رسل ان يمنع حكومته من مهاجمة مصر عام 1956 قرر ان يخرج الى ساحة الطرف الاغر ويجمع حوله انصاره لوقف الهجوم، لكن الهجوم لم يتوقف الا بعد ان وصلت الى سمع المسؤولين انباء الخسائر التي اوقعها المصريون بالبريطانيين. ثم وصول الانذار السوفيتي الخطير بلهجته الحاسمة بوقف العدوان، لم يكن للفيلسوف البريطاني رسل، اي اثر في ذلك.- – – لقد سمحت له الحكومة ان يحتج ويعارض ومضت هي في سياستها المرسومة غير عابثة بما يقول. – – وعندما تمتنع الحكومة عن الاصغاء الى اكبر فلاسفة العصر، فاي قيمة تبقى للمعارضة ؟

المعارضة اذن عمل قسري نضالي وليس ترفا ثقافيا من هذا الذي يعرض على الشاشة اى يكتب في الصحف. اليومية، ولا هو من باب قل كلمتك وامشي – فالكلمة لا تمشي الا وصاحبها معها – فاذا قالها ومشى، تكون كالريح يخرج من بطن المتخوم وتدخل عندئذ في باب طب الابدان – – والمثقف لا ينتظر الاذن من الدولة لكي يعارضها.

المعارضة ليست عملا صحفيا او اذاعيا فقط بل هي الفكر والادب الموجه لتعميق الوعي العام وطنيا واجتماعيا، والانتاج الادبي بتفرعاته الشتى من شعر وقصة ومسرح ورواية وما اشبه – والاتجاه السائد في اوساط الثقافة عندنا هو المعارضة السياسية والايديولوجية والاجتماعية – – لكن المعارضة دخلت في الموجة السائدة – – والكثير من الادباء والمثقفين يعارضون مراعاة الموجة او ركوبها، والوجة قد تكون ضاغطة وقوية في زمن استشرائها وسيادتها – وهو زمن لا يتصنف في عداد الحدث التاريخي – لانها موجة لا ظاهرة – الامواج تتلاطم بشدة ونزول بسرعة.

عندما نتكلم بجد عن المعارضة، نعود الى شقها الاول وهو النضال مع الجماهير – – والنضال موزع الادوار والساحات – ولكل واحد موقع فيه يتناسب مع اختصاصاته ومؤهلاته – والمطلوب لكي يكون المثقف مناضلا يجب ان يكون مع القوى الحقيقية التي تريد اصلاح الاوضاع – – والخيار الامثل مقاطعة الانظمة المستبدة في جميع المجالات وبالحدود القصوى.

من المعروف ان المثقفين في الانظمة العربية المستبدة، لا يحصلون من دولهم، المساعدة التي يحتاجون اليها. واتذكر انه عندما كنت في الصين، مررت بأزمة جواز سفر، حيث امتنعت سفارتنا من تجديده، لكنني حصلت عليه بعد ان دفعت رشوة لموظف مرتشي فيها.

(ان ما جاء اعلاه مقتبس من كتاب المرئي والامرئي في الادب والسياسة للمفكر العربي هادي العلوي)

يقول الدكتور رضا العطار: لقد قادني الحديث اعلاه الى خواطر بزغت في خيالي جرت احداثها في منتصف القرن الماضي حينما كنت طالبا في المانيا، كانت العادة عند بعض الطلاب العراقيين ان يقوم بتجديد جواز سفره بنفسه عندما كانت السفارة العراقية ترفض تجديده، لكن من حسن حظهم كانت دوائر الاقامة هناك متفهمة لمحنة الطلاب القادمين من العالم الثالث، فكانوا يتساهلون في تمديد اقاماتهم بغية اكمال دراستهم. واغلب هؤلاء الطلاب كانوا يخشون الرجوع الى وطنهم خوفا من بطش النظام، لكنهم في اعقاب ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958 تقاطروا على مطار بغداد مبتهجين يرمون بجوازات سفرهم ـ وهي فاقدة الاعتبار ـ امام ضباط السفر

يقول رضا العطار : اما حكايتي مع السفارة العراقية في بون عام 1956 فكانت اسخف ما يمكن ان يتخيله انسان، ارويها للقارئ الكريم كي يستجلي فيها صورة الموقف المخزي لبعض اعضاء هذه السفارة، الذين ولوا ظهورهم لطلبتنا الدارسين في الخارج والذين دفعت الحاجة بهم الى مناشدة السفارة لمساعدتهم ، لكن سياسة السفارة كانت لا تتماهى مع مطاليب هؤلاء الطلاب. حقا ان السفارة كانت في رعايتها ليست بمستوى المسؤلية ـ ـ ـ

ويستطرد العطار قائلا : ولما اقترب موعد الأمتحانات، ارسلت جواز سفري الى السفارة العراقية في بون طالبا تجديده، ومن كافل القول ان اذكر ان الاشتراك في الامتحان يتطلب إقامة معتبرة. لكن السفارة باغتتني بضرورة الحضور (لأمر هام) فدهشت وتوجست من المقابلة شرا، وتهتُ في لجة من التوقعات ـ ـ ـ

كان مقر سكناي يومذاك مدينة برلين فكان علي الطيران الى بون.

وعندما حضرت في السفارة، لم يستقبلني القنصل بعبارة اجتماعية ناعمة كما هو مألوف انما فاجئني بالقول : انت كنت احد طلاب جامعة فيينا، فقاطعته قائلا:

اني لم اكن يوما طالبا هناك، قال المهم اسمك جاي وياهم ولهذا امتنع من تجديد جواز سفرك، فطاش صوابي لكنني لم اخرج عن طوري، كما وانني لم اعلق على سلوك القنصل التعسفي، حسبي ان اشير بان الرجل لم يكن يزخر بعواطف انسانية، رغم ذلك كله، قلت له : حضرتك تعلم باني طالب طب واني على ابواب الامتحان ! فإذا كان هذا قراركم، اذن فما حل ؟

قال : ليس هناك حل سوى الاسترحام !

يجب ان اذكر عابرا انني استلهمت في كلام الرجل مكرا

سألته مستفسرا، هل يمكن لحضرتك ان توضح لي صورة هذا الاسترحام ؟

فأستهل جنابه يملي عليً صيغة البراءة المذلة المتعلقة بالمعارضين اليساريين، ذوي النفوس الضعيفة، شعرت بالغثيان واختلجت نفسي غضبا، فلم ادعه يفيض في الكلام واستوقفته، وقد آليت على نفسي الاً ادخل معه في نقاش عقيم، متحاشيا الخوض في المطاليب العادلة للطلاب، تلهب نفوسهم على الدوام.

وبعد تفكير قصير قلت للقنصل المتنمر : لو كان تجديد جواز سفري يتم عبر هكذا اسلوب، فاني رافض اياه . . . استردت الجواز من بين يديه بكل ادب وغادرت ـ ـ

لكن واتاني الحظ السعيد مترافقا بعدم وجود سفارة عراقية في هولنده، فكانت السفارة المصرية تقوم بمهام ادارة شؤون العراقيين، فتوجهت اليها عبر السفر الى امستردام فورا، وحينما دخلت بناية السفارة المصرية استقبلني قنصلها المحترم بلطف ووجه بشوش، وجدد الجواز دون ابطاء، فكان سرري اعظم السرور.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close