دور التعليم العالي في التنمية المستدامة

دور التعليم العالي في التنمية المستدامة
ترجمة: هاشم كاطع لازم – أستاذ مساعد – كلية شط العرب الجامعة – البصرة
تأليف: د. سوكامال ديب Sukamal Deb(الهند) ، 2022

حين نفكر بالتعليم فأن مايرد في البال دوره في خدمة الفرد والمجتمع ، لكن التعليم يؤدي دورا حاسما في مجال التنمية الأقتصادية كما أنه السبيل لخلق قوة عاملة منتجة الى حد كبير. والتعليم هو بطاقتنا للحصول على الوظيفة ونيل مرتبات اعلى خاصة في عصر المعرفة الذي نعيشه والذي يشكل الأساس للكثير من جوانب الأقتصاد. وتتجلى أهمية التعليم العالي ليس في تدريب الأفراد فحسب أنما في حل مشاكل المجتمع.
لقد كانت لي تجرية رائعة وممتعة مع العديد من الجامعات طيلة أكثر من أربعة عقود من الزمن ، وقدسمعنا بجامعات عالمية مرموقة مثل هارفرد وكولومبيا والكثير من الجامعات الآخرى. وأنا أنظر بعين الأجلال لما تؤديه الجامعات من دور حيوي للمجتمع ، فدورها يتعدى أعداد الطالب للحصول على وظيفة في سوق العمل ليشمل تمكين الطالب من المشاركة الواسعة في حركة المجتمع وخاصة مايتعلق بحل المشكلات التي تواجه المجتمع. كما أنها تساهم في التنمية الأقتصادية ذات الصلة بالتكنولوجيا والمعرفة. وللتعليم العالي دور أساسي وهام في نمطين من التنمية والنمو أولهما النمو الذي يستند الى (الأبتكار باطني المنشأ) endogenous innovation حيث ينهض العلم الجديد والتكنولوجيا الجديدة بعملية التقدم مما يؤدي الى ظهور صناعات جديدة ، سواء ماحصل أثناء عمل جيمس واط James Watt في ورشته العلمية في جامعة كلاسكو في عام 1776 حين أطلق قوله (لقد توصلت أليه) ، أو بعدما ظهرت الماكنة البخارية الجديدة أو ماتحقق من أبتكارات وأختراعات بدأت تظهر للعلن طيلة القرنين اللاحقين ومن بينها التقدم الهائل االمفاجيء في مجالات علم الحاسبات الألكترونية وعلم المواد وفي قانون مور Moore’s Law الذي شكل الأساس لثورة الترانزستر والدائرة الكهربائية المتكاملة integrated circuit خلال الخمسين سنة الماضية ، وكذلك علم الجينات genomics وعلم الهندسة الزراعية agronomics. وكان للجامعات والتعليم العالي اليد العليا في كل ذلك لما مثله التقدم التكنولوجي والعلمي من مركزية في مثل هذه العملية. أما التوع الثاني من النمو فيتعلق بالتعاطي مع أنماط التكنولوجيا الجديدة ، فكم منا بالفعل يفهم (الفيزياء الكميّة) والكيفية التي تعمل بها هواتفنا النقالة وفي فهم القوانين التي تجعل من عمل الثورة الرقمية أمرا ممكنا. في واقع الأمر لايمتلك الكثير منا الدراية الكافية عن سائر التفاصيل المتعلقة بالعصر الرقمي ، لكننا مع ذلك نستخدم الهواتف النقالة بسهولة. أن بعض أنماط التكنولوجيا مهيئة بشكل يدعو للدهشة لكي يتمكن أي شخص من أستخدامها بيسر. ثم ان التقدم المذهل في المجال الطبي على سبيل المثال قد يتجسد في حبة دواء ربما تنقذ حياة أنسان بصرف النظر عن المستوى التعليمي للشخص الذي يتناول الحبة. وربما يؤدي أختبار تشخيصي يقوم به موظف صحي في القرية الى أنقاذ حياة طفل أصيب بالملاريا ، كما أن مثل هذا الأختبار يشخص أصابة شخص ما بمرض (كوفيد – 19)على سبيل المثال. كما أن عملية نقل التكنولوجيا من مكان لآخر أسهمت في نقل انواع معينة من الحبوب الزراعية من المكسيك الى اقليم البنجاب بالهند بجهود مهندسين زراعيين هنود ماهرين ، الأمر الذي يجعل من التكنولوجيا أمرا بالغ الحيوية.
ولتحقيق ذلك لابد من الأستعانة بالعمال من ذوي المهارة العالية ، أما الجامعات فتعمل على توفير المعرفة اللازمة من خلال البحث العلمي والتنمية التي تشكل الأساس العلمي للأبتكار. تجدر الأشارة أن عمل الجامعات لايقتصر على تأهيل القوة العاملة ذات المهارة العالية وأعدادها علميا فحسب أنما تمتد الى تأهيا المدربين (مدرسو المستقبل) الذين سوف يعملون داخل المجتمع بهدف تقديم العون للفتيان والشباب أبتداء من الفئة العمرية قبل المدرسة ومن ثم المدارس الأبتدائية والثانوية مما يسهم بشكل فعال في تطوير الرأسمال البشري وشحذ قدراته الى أبعد قدر ممكن.أضف الى ذلك للجامعات دور رائد في التصدي لحل المشاكل ووضع السياسات والأستراتيجيات للتوصل الى التشخيص التمييزي بهدف تسليط الضوء على التحديات التي تواجهها الدول سواء تعلق الأمر بالصحة العامة وأنظمة النقل والبنى التحتية أو في مواجهة المشاكل ذات الصلة بالتغيرات المناخية أو في تهيئة المدن لتكون أكثرمرونة أثناء الكوارث الطبيعية. وتدعو الحاجة الجامعات الى أنتاج أعداد كبيرة من الأبتكارات والأفكار الجديدة اللازمة للتفكير بالأنظمة الجديدة وسبل جديدة في الأدارة والحكم ووضع أسس جديدة تتعلق بسلوكنا وفي تنظيم حياتنا الأجتماعية وأنظمتنا السياسية.
أن تباين معدلات تسجيل الطلبة في مجال التعليم العالي في أقطار العالم المختلفة يمثل تحديا هاما ، فبلدان مثل الولايات المتحدة والبلدان الأسكندنافية ويلدان أوربا الغربية وأستراليا ونيوزيلندة وروسيا تتصف بالأرتفاع الكبير لمعدلات الملتحقين بالتعليم الجامعي فيها. أما الوضع في بلدان فقيرة في عموم قارة آسيا وفي عموم أفريقيا فيختلف تماما حيث أن أعداد خريجي الجامعات فيها لاتتناسب وحاجات مجتمعاتها في تحقيق التحول التكنولوجي وفي التوصل الى الأبتكارات المحلية المطلوبة جدا لتحقيق التنمية وفي تأهيل القيادة المؤهلة علميا والتي تمتلك المهارات العالية للتعاطي مع حل المشكلات.
تجدر الأشارة أن معظم الأبتكارات الحديثة تظهر في عدد محدود من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان فيما برزت لاحقا دول مثل كوريا وسنغافورة وغيرهما. ولاغرابة أن نرى أن عددا محدودا من الدول في العالم يحظى بحصة الأسد في الطفرات العلمية المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم ومايترتب على ذلك من تراكم براءات الأختراع والملكية الفكرية التي تعزز الكثير من جوانب التقدم العلمي ، وهذا بدوره يمثل تحديا معقدا أزاء تحول مجتمع فقير معين الى مجتمع مبتكر. وفي مثل هذا الوضع لايوجد ثمة سبيل خطي بسيط أو توفر اجابة بسيطة حيث أن ذلك يمثل جزءا من التحدي الذي تواجههه التنمية في أي بلد لأستنباط نظام أبتكارات وطني يتناسب مع قدرات المجتمع وأحتياجاته والفرص المتاحة له. وفي ضوء كل ذلك يؤدي التعليم العالي دورا جوهريا.
من هنا ينظر الى الجامعات بأعتبارها أدوات أساسية لحل المشاكل ودراسة المشاكل المعقدة ذات الصلة بالتنمية المستدامة وكيفية التحول الى نظام طاقة جديد وكيفية تحقيق الزراعة المستدامة وكيفية اعادة النظر في ادارة مدننا وأعادة تصميمها مع مراعاة بيئة صحية أفضل وأنتاجية أقتصادية أكبر مع تقليل التأثير على البيئة الطبيعية. والجامعات تحظى بالأهمية الكبيرة المتجددة لكونها لاتكتفي بالتدريب أنما في مد يد العون للمجتمعات المحلية في حل مشاكلها وفي شحذ المهارات وترسيخ المعرفة وفي حل المشاكل الزراعية من خلال نصب المحطات الحقلية الزراعية ، فضلا عن أنتقال العلماء من داخل أروقة الجامعات الى المجتمع لأعانة الفلاحين على أرض الواقع في حل مشاكل مثل الآفات الزراعية والأنتاجية والمواد الغذائية للتربة والمناخ وغيرها من المتغيرات والمعطيات بهدف تحقيق الزراعة عالية الأنتاجية.
الجامعات أذن أدوات لحل المشاكل فيما يخص التنمية الوطنية والتفكير المتعلق بكوكب الأرض والتوصل الى مخترعات جديدة وأبتداع مناهج مبتكرة في التعامل مع الأمور وأطلاق دعوات جديدة لبلورة انماط غير مسبوقة من الأدارة. لذا لابد من النظر الى الجامعات في عصر التنمية المستدامة المعقد الذي نعيشه على انها أطراف مشاركة في حل المشاكل. وقد أطلق أمين عام الأمم المتحدة السابق (بان كيمون) Ban Ki – Moon على ذلك تسمية (تحدي القيادة العالمية) في أيجاد حلول للتنمية المستدامة. من جانبها رعت الأمم المتحدة شبكة حلول التنمية المستدامة SDSN في جوانب مثل الطاقة النظيفة للفترة (2015 – 2030).
من جانب آخر تشير التمنية الزراعية RD الى تحسين مستوى معيشة الناس الذين يقطنون الأرياف من النواحي الأجتماعية والأقتصادية والسياسية والروحية وهم المحرومون من الخدمات الأساسية. وتتضمن التنمية الريفية دراسة أدارة الموارد الريفية بشكل فعال من خلال التخطيط لبرامج تنمية ريفية وتنفيذها بهدف الأرتقاء بمستوى معيشة أهل الريف. وأذا أخذنا الهند مثالا على ذلك فأننا نلاحظ أنه بلد يعيش أكثر من 60% من سكانه في المناطق الريفية التي تحتاج الى التعليم بشكل ملح. ورغم أنفاق مبالغ طائلة لتحقيق التنمية الزراعية فيها لكن النتائج ظلت محدودة ، الأمر الذي يفسح المجال أما الجيل الجديد من المبتكرين وحملة الأفكار العلمية الجديدة لتنفيذ أفكارهم وخططهم.
أن بالأمكان تحقيق التنمية من خلال تشكيل شبكة متكاملة ومتعاونة من العلماء والباحثين ومن خلال تنشيط عملية حل المشاكل وأيلائها أهتماما خاصا ومن خلال الأعتماد على الجيل الصاعد من العلماء الشباب المبدعين.وفي الواقع بمقدورنا أن ننجح في مثل هذا التحدي الكبير في تحقيق الأهداف العديدة للتنمية الأقتصادية والتضمين الأجتماعي والأستدامة البيئية والأدارة الحكومية الناجحة التي تحتاجها سائر مجتمعاتنا وتتطلع الى تحقيقها. تجدر الأشارة أن نصف سكان العالم ممن يعيشون في فقر مدقع يقطنون المناطق الريفية حيث تتركز أعلى معدلات الفقر في العالم في منطقتين هما أفريقيا المدارية وجنوب آسيا وتشمل الهند وباكستان والنيبال وبنغلاديش. من هنا لايوجد ثمة علاج شاف لمشاكل مثل هذه المناطق سوى التنمية الزراعية.مهمة الجامعة أذن تتمثل ليس في تأهيلك علميا وحصولك على الشهادة الجامعية فحسب أنما في جعلك انسانا حقيقيا. أذن عليك أن تتعلم وأن تتطور وأن تقود وأن تؤثر وتحقق التفوق في الحياة.

www.linkedin.com/pulse/role-higher-education-sustainable-development-rural-studies-deb/phd/

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close