ثالوث الظلام: حكاية الذئاب والرداء الأسود

حمزة الحسن

ـــ إذا أصاب الوهم شخصاً يسمى المجنون واذا أصاب الوهم جماعة يسمى : عقيدة.
الروائي روبرت بيرسون.
نظرة سريعة لجميع لصوص وسراق المال العام والخاص ،
ستؤدي الى نتيجة واحدة: هؤلاء جميعا تستروا خلف أقنعة
والعقائد عامةً تُشكّل أفضل الأقنعة في المجتمعات المؤدلجة التي لا تعيش في حياة بل في أساطير وعقائد مكيّفة، بحيث لا يمكن التفريق بين الوجه والقناع.
هل هؤلاء تحولوا فجأة من زهاد وشرفاء الى نصابين؟
تغيير عادة خارجية واحدة كترك التدخين مثلا يحتاج الى شهور وسنوات
وقد يفشل فكيف الانتقال من شخصية النازك والمترهبن والمناضل الى شخصية
اللص والنصاب والمحتال؟

كل الدراسات والابحاث العلمية التي تناولت هذه العاهة المرضية القذرة،
توصلت الى نتائج حاسمة بالاستناد الى تجارب التاريخ والفحوصات المختبرية وخلاصة
ابحاث عميقة في ان سيكولوجيا النصاب لها قواعد وأسس ،
كالأعراض المرضية العضوية،
وتتشابه كالأمراض أعراض وأساليب وصفات نصاب أوروبي أو آسيوي أو أمريكي في الأساليب،
مع بعض الاضافات من البيئة المحلية التسويق،
وسواء نصاب المال او التجارة أو في العلاقات العامة الشخصية أو العاطفية،
هؤلاء جميعاً يخضعون للقواعد العامة نفسها كما لو انهم خريجو مدرسة واحدة وهي:

أولا: يدفن النصاب شخصيته الحقيقية التي يحتقرها،
ويرتدي القناع المناسب لكل حالة ومكان وظرف،
لذلك يصعب الاتفاق على رأي حوله لأنه يعطي انطباعات مختلفة حسب الاشخاص،
كما لو انك تنظر الى نصب تذكاري مختلف الوجوه حسب زوايا النظر.

كلما تشعره أناه المدفونة بحقيقته المزيفة،
يدفنها بقسوة أكبر لذلك لا يعتقد أحد ان النصاب يعيش بانسجام مع نفسه،
هذا هو المستحيل بل يعيش هاجس الخوف من الانكشاف والفضيحة والتعري،
لذلك أي دبوس صغير يوخز القناع يضعه في رعب وقلق وحالة دفاعية مستميتة
وانكار شرس وقلب الطاولة،
لأنه لا شيء بلا الأقنعة: كيان فارغ.

ثانيا: النصاب مهما تبنى فكراً أو عقيدةً أو قضية أو عاطفةً،
لا إيمان له بها بالمطلق لكنها شكل الفخ المغطى بالعشب والزهور لأن شكل الفخ مهم جداً،
وعادة تكون الفخاخ دفينة ومموهة بشعارات ومشاعر وعواطف وأغطية.
أي أن النصاب حيوان في رحلة صيد مستمرة،
وخطواته حذرة جدا امام فريسة غافلة،
وهذا الوصف طبي ومتوفر في سيكولوجيا النصابين،
وفي مجتمع يعشق المظاهر يسهل للنصاب اختراقه بسهولة.

ثالثا: دورة النصب والاحتيال ، بصورة عامة، تخضع لقوانين كما لو انها معادلة رياضية محسوبة النتائج بدقة مجهرية:
وهي القناع الوردي وثوب النزاهة والطهرانية، أولاً،
ثم المرحلة الثانية هي التكشير عن الانياب في حالة التمكن ونزع الاقنعة بالتدريج،
وفي المرحلة الثالثة التخلي عن الاقنعة لانها متعبة والظهور بالوجه الحقيقي،
لكن هذا لن يحدث إلا في حال السيطرة،
سواء سيطرة سياسية أو اقتصادية أو عاطفية.

بعض العلاقات العاطفية تخضع لنفس منطق النصب والاحتيال،
لكننا عادة نلجأ للتبسيط والمناحات والتفسيرات الاخلاقية والشعر والغزل عن الغدر والخيانة والهجر والخ،
في حين تكمن الاسباب الحقيقية في أننا أمام عاهات مرضية راسخة ودورة استغلال مرضية،
ولحظة انكشاف النصاب هي المرحلة الاخيرة وليست ولادته:
هو لم يتغير كما نظن بل أقنعة سقطت ودور تمثيلي طويل إنتهى.

هذا النموذج المنحرف ليس مخطئاً لكي تنفع النصائح والحوارات معه والأمل بالتغيير،
بل تحركه دوافع ورغبات وهرمونات ونزعات عميقة مشوهة ومنحرفة،
تتجاوزه وهو فاقد السيطرة على نفسه،
وأسير عقل مختل يرى الناس والحياة بصورة مقلوبة ومخيفة ومنحرفة
وله معايير قذرة في كل شيء ولا يرى كما نرى بل يرى الناس أهدافاً يستحقها هو
دون شعور بألم او ندم لأنه بضمير معاق لا يشعره بحقيقته بل بعظمة زائفة
وهنا جحيمه اليومي:صراع شرس منهك بين أنا مزيفة وأنا ملغية مدفونة تخبره ان قدراته الحقيقية
لا تنسجم مع حجم الاستعراض وانها أنهكت من التمثيل وخوف الانكشاف بلا اي خاتمة نهائية سوى دورة قذرة مكررة بلا نهاية ولا اشباع لان الذات المزيفة هاوية بلا قاع
ومثلث ظلام داخلي يلتهم ولا يشبع كطاحونة حجرية
وهو يلتهم نفسه كل لحظة.

رابعاً: الانكار والدفاع الشرس والكذب المرضي الفوري والغدرالبارد المخطط له،
خاصية مشتركة بين جميع النصابين،
فلا يمكن قبول الانكشاف ونزع الاقنعة التي عمل سنوات على صناعتها،
ونسي شخصيته الحقيقية،
وما الذي سيتبقى منه في هذا العري المفضوح بلا أقنعة كل كيانه مبني عليها؟

خامسا: إن جميع النصابين يعانون من الاختلال النفسي رغم التبجح والاستعراض والنفخ والظهور بمظهر الثقة وهم في الحقيقة مخلوقات تعاني من الاحتقار الذاتي والخوف وهاجس الانكشاف وهو أهم ما يقلقها،
وانعدام الثقة بالنفس لكنها تحاكي الاخرين في تقمص أقنعة الثقة والاستعراض،
وفي الحقيقة مخلوقات بلا ذات حقيقية بل ملغية ومجرد اقنعة ملونة وبالونات،
لذلك عندما تحاصر وتنكشف تنهار سريعاً،
لأنها بلا دفاعات داخلية عميقة بل خاوية،
وقد نُزعت الأقنعة وهي كل الشخصية،
ولو اضطرت للاعتراف تلجأ للاعتذار البارد الجاف غير الوجداني للتملص.

سادساً: النصابون بارعون جميعاً في الاقنعة وفي انتقاء الضحايا وسلاحهم الفتاك هو
تبني افكار وعقائد وعواطف الضحايا والتماهي الشكلي معها حتى تشعر الضحية انها أمام ذاتها الحقيقية بل نؤأم الروح ومنقذها من الخراب السياسي والروحي والنفسي والعاطفي،
وهدية غير متوقعة من السماء لأن النصاب المختل يتطابق مع الضحية في المرحلة الأولى في كل شيء للسيطرة ويقوم بدور يطلق عليه العلماء بــــ ” المرآة العاكسة” للآخر،
مع انه الخراب نفسه.

تكتشف الضحية، اذا اكتشفت،
وبعد فوات الاوان أنها وقعت في حفرة نجسة وخطر جدي،
كما في قصة ليلى والذئب او ذات الرداء الاحمر عندما ذهبت الى بيت جدتها،
لتكتشف ان الذئب اكل الجدة ونام مكانها وتقمص شخصيتها وحاول أكل ليلى .

أما ذئابنا المقنّعة المنقبة بالبراقع،
فياليتها إكتفت بأكل الجدة بل أكلت الماضي والحاضر والمستقبل،
تحت أجمل الشعارات والعقائد،
والأسوأ أن تتحول هذه الذئاب الى وعاظ أخلاق ومنقذين أمام ضحايا نازفة.

في كل نصاب في السياسة وفي كل حقول المجتمع،
هناك مثلث قاتل يتوفر فيه يسميه العلماء بـــــ مثلث الظلام:
النرجسية الخفية والميكافيلية والسيكوباتية،
وهذا الثلاثي القاتل يلخص شخصية النصاب.

نحن أمام حالات من العصاب المرضي ولغة التحليل السياسي أبعد ما تكون عن تحليلها،
فكيف تحلل طبقة فاسدة تقتل وتسرق شعباً بشعارات.؟

يمكن القول بثقة ان لغة التحليل السياسي
لغة متواطئة مع هؤلاء عندما تفتح لهم باب طوارئ وتنسبهم الى عقائد وطوائف وأحزاب وأهداف خاطئة وهو مفيد لهم لحشد الاتباع في حين هؤلاء بلا هوية وطنية ولا هوية فردية ولا انتماء سوى للمال والمصرف والعقار وذات مجوفة،
ومرضى بأشد الأمراض النفسية فتكاً وجنوناً بحيث أوصلوا شعبا للانهيار والتفسخ والانتحار،
وهؤلاء لا يستعصون على كشف مؤيديهم بل يتوارون بأقنعة عن من يعارضونهم،
لأن الطرفين يحللون سطح الواقع وليس الواقع الخفي،
وهذه من مصائب الثقافة السياسية الانشائية المغرمة بالبلاغة والشتم والنصائح وتجزئة الواقع الى تفاصيل بحيث تتحول
أزمة ومأزق نظام كامل الى مشكلة مجاري وفساد مسؤول أو مؤسسة أو وساخة مستشفى،
أو تبليط شارع أو رواتب والخ،
سياسة بلا ثقافة وثقافة بلا سياسية،
وهذا مفيد للنظام لانه يخلق هذه المشاكل ويقدم الحلول كانجازات ويحتفل بها الانشاء الوعظي،
وهذا الانشاء السياسي هو لغة سلطة بالمعنى العميق للسلطة،
لأن السلطة بلا معرفة ومن يفتقر للمعرفة مواليا أو معا رضا هو جزء من النظام،
ومن يخاطب ضمير السلطة لا يعرف انها كيان بلا ضمير بتعبير البير كامو،
لأنها تجمع مصالح وأهداف وقواعد وأفكار ورغبات يجب أن يحكمها القانون وليس الضمير القابل للتأويل والتفسير من كل الأطراف.

هذا الثالوث القاتل بلا لغة ولا ذات ولا حقيقة ولا ضمير ولا عواطف ولا ندم ولا شرف ولا شخصية
ولا وجه حقيقياً،
بل هو يأخذ شكل المكان الذي يتواجد فيه،
والأشخاص الذين يتعامل معهم واللغة والمبادئ والاهداف والاحلام التي يحملونها،
وينام في أسرّتهم كالذئب في قصة ليلى ذات الرداء الأحمر،
متقمصاً شخصية الجدة،
وكل ما يحلم به معانقة ليلى لكي يتركها في النهاية عظماً بلا جلد،
كما هو حالنا اليوم وغداً في حكاية طويلة ومملة اسمها:
” قصة الذئاب والرداء الأسود” .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close