على خطى بلاد الشمس، سيرا نحو التقدم !

على خطى بلاد الشمس، سيرا نحو التقدم ! (*)
د. رضا العطار

يحاول بعض الليبراليين الرومانسيين ان يقرأوا التاريخ ويفهموه من خلال انكار الماضي، ومحاولة تجاهل التراث، فيأتي فهمهم للتاريخ وللحاضر والمستقبل فهما خاطئا في معظم الاحيان – فالسحب التي تظهر في السماء هذا اليوم، ما هي الا امتداد لحالة الطقس البارحة وقبل البارحة – والتاريخ عبارة عن كائن حي، له اباء واجداد كما له اولاد اليوم واحفاد في المستقبل – واباء واجداد التاريخ هو التراث واولادهم نحن بما نحمل من جينات وراثية تراثية.

كل تراث لشعب من الشعوب يمتلئ بالغث والسمين، بالعقل والنقل، بالثابت والمتحول، بالمقدس والمدنس، بالحق والباطل، بالاتباع والابداع، بالخرافات والحقائق، – فلا يوجد تراث في التاريخ البشري كله سمين، كله عقل او كله نقل – – الخ والصعوبة الكبرى التي واجهت الباحثين في الشرق والغرب هي عملية الفرز لهذه الثنائيات. – وهو ما نطلق عليه عادة قراءة التراث او تجديد التراث، او توليد الحاضر من الماضي – – الخ

بل ان هناك صعوبة اكثر من تلك وهي : كيف نستطيع ان نستفيد من ماضينا ببناء حاضرنا ومستقبلنا ؟ وكيف لنا ان نجعل من حاضرنا ومستقبلنا ابنا شرعيا لماضينا – وليس ابن زنا وسفاح !

فلكي نفهم الحياة علينا بالرجوع الى الماضي، ولكي نعيش الحياة، علينا بالاتجاه نحو المستقبل، واهمية التراث المُنتقى والمُنخل والمفروز في حياة الشعوب انه يحفظ لها هويتها ويجعلها تعمل بجد واخلاص للمحافظة على هذه الهوية – فالهوية بالنسبة لاي شعب من الشعوب هي الملح الحافظ لها من الانحلال والتعفن والذوبان.

يعاني كثير من المثقفين العرب من اشكالية (عبء التراث) ويرون ان سر تخلف العرب يكمن في تراثهم وليس في جنسهم او حياتهم – بل ان هناك من المفكرين العرب من يعتبر ان لب الاشكالية العربية وقلبها نابع من ان موجات الفكر العربي المعاصر منذ القرن التاسع عشر حتى الان لم تنتج لنا التراث العقلاني المفروز الصالح للحاضر والمستقبل لكي يتم البناء عليه، اذن فالمشكلة ليست بالتراث ولكن في فرز هذا التراث بل اكثر من هذا، انها كيفية الاتفاق على مقاييس الفرز وماذا يؤخذ من التراث وماذا يُترك منه – وهو ما سوف يمكننا من ادراك عصر تنوير عربي على شاكلة عصر التنوير الغربي – ( القيلسوف ديكارد اول من استعمل مصطلح التنوير في القرن السابع عشر ) – الذي ادى الى الثورة الصناعية الغربية. كما ادى الى وضع اوربا على طريق الحداثة، بل ايصالها الى مرحلة – ما بعد الحداثة – ولكن عصر تنويرنا فيما لو تحقق – لن يكون بنتائجه مطابقا لعصر التنوير الغربي لاختلاف المكان والزمان والانسان والقيم الثقافية والاجتماعية – فاوربا لم تحقق عصر التنوير الا بعد شرط اساسي وهو تحديد الايمان وتنظيف النصوص الدينية من الهوامش الشعبوية. ومصطلح الشعبوية تضم مجمل الخرافات والسحر والشعوذة والطقوس والعادات والتقاليد المتوارثة التي شكلت ما يطلق عليه بالتدين الشعبي.

عندما دخلت اوربا عصر التنوير واخذت من العرب التراث اليوناني المترجم والمحفوظ في – بيت الحكمة – في بغداد منذ عهد الخليفة العباسي المأمون، لأضاءة حاضرها بنور ماضيها، لم تكن غايتها نسخ تجربة الماضي العربية في ذلك العصر بنسخة اوربية وانما كان الهدف الاساسي هو استعارة انوار ماضيها لأضاءة حاضرها. فالحاضر لا يُضاء الا بالماضي كما ان الارض لا تضاء كل يوم الا بضوء شمس الامس. وضوء الماضي لن يعيق من ابقاء الماضي دروسا مستفادة وجعل المستقبل ابتكارا وابداعا – وبهذا لن يكون هناك تضارب بين الماضي والمستقبل – ولن يكون الماضي تركة ثقيلة على ظهورنا ننوء بها وتعيقنا نحو الانطلاق الى المستقبل فيما لو التزم كل زمن بحدوده وكانت العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل علاقة تعاون مثمرة وليست علاقة تسلط وسيطرة والغاء للاخر وتناطح ايديولوجي.

عندما غزا نابليون مصر فيما عرف ب – الحملة الفرنسية – عام 1798 اصيب العالم العربي والعالم الاسلامي على صوت مدافع نابليون بصدمة الحضارة الغربية وبجرح نرجسي عميق – عندما طرح على نفسه سؤالا كبيرا وقاسيا – ما زال يتردد حتى هذه اللحظة على الرغم من الاجابات التاريخية الكثيرة عنه.

لماذا نحن متأخرون الى هذا الحد – ولماذا الغرب متقدم الى هذا الحد ؟ – – ولكن الاجابة العملية عن هذا السؤال لم تتم حتى الان – او لم نعمل على ارض الواقع للاجابة عنها وتدارك ما نحن فيه من تخلف، في حين ان اليابان (بلاد الشمس) التي اصابها ما اصابها في القرن الثامن عشر واستيقظت فجأة على صوت مدافع الغرب كما استيقظنا نحن، استطاعت ان تجيب عن السؤال الكبير المطروح بالتطبيق العملي – فكما ضربنا نابليون بمدافعه في مصر عام 1798 ، ضربت اربع سفن امريكية بمدافعها ميناء ( اوراوا ) الياباني عام 1853 فايقظت اليابانيين من سباتهم العميق وعزلتهم التاريخية – وكانت تلك الصدمة بداية تشكيل اليابان الحديثة التي كانت نتيجة خروج اليابان من عزلتها، فأرسلت طلبتها الى الغرب.- – – اذن فلماذا تقدمت اليابان وتخلفنا نحن ؟

سؤال كبير وله اجابات كثيرة ومختلفة – ولكن الاجابة الواقعية والصريحة هي ان اليابانيين في علاقتهم بالاخر لم يخلطوا بين التقدم العلمي والتكنولوجي وبين القيم الاخلاقية وخاصة بما يتعلق بالمرأة وشجونها – في حين اننا اعتبرنا ان القيم الاخلاقية الغربية جزء لا يتجزء من التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي الغربي وخلطنا بين تقدم الغرب المادي وقيمه الاخلاقية – وان قبولنا للتقدم الغربي يعني قبولنا لقيمه على مختلف المستويات – وكانت مقاومتنا الثقافية للغرب على شاكلة مقاومتنا السياسية الان

( اما كله والا فلا ) في حين ان اليابان قاوموا الثقافة الغربية بازدواجية ذكية : تنجيد التراث وليس تجديده بآخر – وهو ما عبر عنه ( لي كوان يو ) – الكاهن الاكبر للقيم الاسيوية قوله :

( ضرورة تنجيد تراث كونفوشيوس، وليس استبداله بالقيم الغربية).

يقول كاتب السطور: عند زيارتي لليابان عام 1978 لحضور المؤتمر العالمي لطب العيون، كنت الاحظ في اوساطهم الاجتماعية ان الرجل ينحني أمام المرأة والصغير امام الكبير تعظيما واحتراما، لكنني فوجئت وانا في صالة المؤتمرات ان ارى اليابانيين يخرجون من المصاعد الكهربائية دفعة واحدة ينتشرون في كل اتجاه، دون ان ينحي احدهم للاخر، فأخذتني الحيرة، وعندما استفسرت عن سر هذه المفارقة، جائني الجواب :

لو شاء الجمهور الياباني ان يواظب على ممارسة تقاليده الوطنية وعاداته القومية (كلأنحناء مثلا) خلال اوقات العمل، لخسرت اليابان في اليوم تسعة ملايين ساعة عمل !

* مقتبس من كتاب بالخط العريض لشاكر النابلسي، مع اضافة لكاتب السطور.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close