أميركا التي لعبت مع إيران..!

نجاح محمد علي خبير في الشؤون الايرانية والإقليمية

مباراة أميركا – إيران كانت أكثر من مباراة. كانت تأكيداً لمدى حب الإيراني لبلده وإعجابه بها مع كلّ ما يمكن إبداؤه من ملاحظات على أداء الحكومات المتعاقبة منذ قيام نظام الجمهورية الاسلامية ورغم كل تلك الحرب الاعلامية والنفسية التي شنتها الولايات المتحدة وأذنابها الإقليميون في الشرق الأوسط والخليج الفارسي .

لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم بمقدار ما كانت تعبيراً عن وجود نظام دولي يمارس الارهاب الاعلامي و السيبراني لتقديم ايران أخرى ، إيران المزيفة والمشوهة، غير تلك التي أجمع الايرانيون على اختيار شكل نظامها “الجمهوريّة الإسلاميّة” بمختلف قومياتهم ، الفارسية و الأذرية والعربية والكردية و البلوشية والتركمانية ، مسلمون ومسيحيون و زردشت ويهود، وتتأثر بتجربتها الفذة الفريدة، كلُّ المنطقة على رافعةِ شعار “مقاومة الهيمنة والاستكبار والغطرسة”. لعبت إيران هذه مع أميركا بكل تأريخها وحاضرها الدموي القائم على القتل وانتهاك حقوق الإنسان.
كشفت المباراة مدى حب المسلمين في المنطقة والعالم والأحرار للجمهورية الاسلامية والمبادئ والقيم التي تُسيّر سياستها . كذلك كشفت أن الصراع مع “الشيطان الأكبر” صراعُ وجودٍ أبدي ومواجهةُ دائمةُ ، وأن شعارات “حقوق الانسان والديمقراطية “ليست سوى ذريعة اعتمدتها “الولايات المتحدة” للتعبئة الخارجية والتضليل والتحريض ضد الشعوب لاستغلالها والسيطرة عليها .

يمكن الحديث، بالتفصيل الممل، عن طبيعة هذا الصراع الذي يشوبه أحياناً كثيرة الابتزاز قبل خوض الفريق الإيراني مباراة مع الفريق الأميركي لسلب الروح الرياضيّة منه كما في كلّ مباراة من هذا النوع . لذلك ابتهج أتباع الولايات المتحدة (الإيرانيون) في الخارج بخسارة الفريق الوطني المباراة أمام الفريق الأميركي . كان لدى المنظمات التي تُسيرهم خوف من استثمار “الجمهورية الاسلامية ” لمثل هذا الانتصار… على أميركا وتوظيفه في معركة التصدي للاضطرابات الرامية الى استنساخ خريف “الربيع العربي” بما يحمل من دم وبارود ..في ايران.

في أثناء المباراة وقبلها وبعدها، تعرّض اللاعبون الإيرانيون في الدوحة الى ضغوط نفسية ، وشُنت عليهم حملاتٌ اعلامية بشكل غير طبيعي عكس غيرهم من اللاعبين وكأنهم قدموا من كوكب آخر . واجهوا مطالبات من أبناء بلدهم (المعارضين المقيمين في الخارج) بالاقصاء لكنهم تلقوا الخسارة بكل رحابة صدر . و كان تسويق مشهد لاعب أميركي يواسي لاعباً إيرانياً ، لا علاقة له بالروح الرياضية بل بالطريقة التي يتعاطى بها النظام الدعائي لتسويق “الانسانية” الأمريكية مع الايرانيين والأجانب عموماً . لم يقتصر الأمر كما ظهر في فيديو قصير ، على مواساة اللاعب الأميركي للاعب الإيراني، كان هناك إعلان أمريكي (وقح) بالتضامن مع النساء الايرانيات لتحريكهن ضد بلادهن أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن في نفس الوقت وهو يفرض حزمة جديدة من الحظر اقتصادي {يسميها عقوبات} على الايرانيين كلهم باسم سياسة “الضغط الأقصى” لم تستثن كما هو واضح ، النساء والأمهات الايرانيات.

جرت مباراة الفريقين الأميركي والإيراني في إطار مسابقة كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها قطر . انتهت المباراة بفوز الفريق الأميركي بنتيجة واحد – صفر وذلك على الرغم من الأداء الجيد للفريق الإيراني الذي كان يلعب حاملاً أثقال السياسة على ظهور لاعبيه . لم يكن هناك ما يفرّق بين هذه المباراة وأي مباراة أخرى جرت في إطار كأس العالم، لكن امبراطورية الاعلام التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة جعلت المباراة بين اللاعبين الأميركيين والإيرانيين مشحونة سياسيًا رغم أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن زعم أنه لا يعتقد أن هناك أي مضامين جيو سياسية تتعلق بتلك المباراة. بالطبع ، التصريح هو أيضًا جزء من الشحن السياسي المطلوب بينما كان بلينكن يرسل الرسائل عبر وزيري خارجية قطر وسلطنة عمان لنظيره الايراني لاستئناف المحادثات النووية. يعلم بلينكن قبل غيره أنه لا يمكن فصل هذه اللعبة عن الأجواء السياسية للبلدين تحت أي ظرف من الظروف.
لقد أعدت أميركا خطة خاصة لتلك المباراة . حتى أن عددًا كبيرًا من تذاكر المباراة كان محجوزاً في الاساس لمشاة البحرية الموجودين في القواعد الأمريكية بقطر بحيث يكون المتفرجون الأمريكيون حاضرين بما يكفي لتلك المباراة. حضرت إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس السابق دونالد ترامب، برفقة وزوجها المستشار السابق له جاريد كوشنر وشاهدت المباراة عبر منصة كبار الشخصيات.

كان الإيرانيون حاضرين لتشجيع منتخب بلادهم، ورفعوا في مناطق مختلفة من قطر. شعارات مبهجة جذابة للغاية لدرجة أنها اجتذبت مواطنين من جنسيات أخرى أيضًا . على عكس الألعاب السابقة ، كان هناك المزيد من المشجعين الإيرانيين . رددوا نشيد “سلام فرمانده ” أي سلام يامهدي ودعموا فريقهم في مناطق مختلفة وخاصة في سوق “واقف” السوق التقليدي في الدوحة الذي كان يعج بالإيرانيين وهم يلوحون بالأعلام أو يرددون الشعارات.

لم تكن المباراة بين الفريقين الأميركي والإيراني عاديّة بأي مقياس من المقاييس. كانت تعبيراً عن أنّ الولايات المتحدة دولة منافقة تكيل بمكيالين. تدعو لتحرير ايران ، و تحاصر الإيرانيين بسياسة “الضغط الأقصى” التي تشمل النساء اللواتي يمثّلن نصف المجتمع وكن ولايزلن في طليعة المضحيات في مواجهة جائحة كورونا حيث منعت أميركا وصول الدواء لايران تحت طائلة ” العقوبات” الأحادية الظالمة .
في ايران شعب يدافع عن حريته وكرامته وعن خروجه من التخلّف والبؤس من قانون الحصانة القضائية الذي منحه الشاه للعسكريين الأمريكيين وأسرهم في إيران وبموجبه يصبح جميع المستشارين الأمريكیین العاملين في الجيش في مأمن من الملاحقة القضائية مهما ارتكبوا من جرائم لابد أن يحاسب عليها القانون..
لم ينزل الإيرانيون إلى الشوارع في العام 1978 للتخلّص من نظام الشاه ، وهو ما حصل بالفعل في شباط – فبراير من العام 1979، كي يعودوا له بنظام أسوأ تريده أميركا لهم ليكون شرطياً جديدًا يحمي مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني، خصوصا في المحيط العربي.

أعطت المباراة بين الفريقين الأمريكي والايراني فكرة عن أن الاضرابات المفتعلة بذريعة وفاة الفتاة الكردية مهسا أميني ، تريدها أميركا أن ستستمرّ في وقت يبدو واضحا أنّ الصراع على السلطة بين أجنحة النظام الامبريالي الأمريكي نفسه صار حاداً . لكن يبقى أن أهمّ ما كشفته تلك المباراة هو ذلك التعلّق لدى الشعب الإيراني بالقيم الوطنية وذلك يعيد التذكير بارتكابات حصلت في الماضي ، خصوصا في خمسينات القرن الماضي عندما هرب الشاه أمام حكومة محمد مصدّق وأعاده الأميركيون والبريطانيون بموجب انقلاب مدبّر على مصدّق المنتخب ديمقراطيًا .

يبقى في المجمل أنّ إيران في السنوات التي كانت خاضعة لأميركا، كانت أقرب إلى مستعمرة خربة يلعب فيها الشاه محمّد رضا بهلوي دور شرطي الخليج ، ويتعامل مع الحكام العرب وفي المنطقة بعنجهية ليس بعدها عنجهية ، ويحتقر الفقراء في بلده.
لم تكن المباراة بين الفريقين الأميركي والإيراني سوى صورة عن هذا الانفصام الذي يترسخ بوضوح مع مرور الوقت. الشعب الايراني لايريد العودة الى الوراء ، ولن يقع في فخ التغيير الداخلي كما حصل في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن .
الأكيد أنّ مباراة أميركا – إيران كانت أكثر من مباراة. كانت تأكيداً جديدًا لمدى كره النظام الأمريكي وأذنابه في المنطقة لنظام الجمهورية الاسلامية المستقل ، وأن تصرفات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والمنطقة تقدم مصلحة الكيان الصهيوني على مصلحة حلفائها التقليديين في أدقّ الظروف وأكثرها حساسيّة، وأن الولايات المتحدة لاتريد الخير للايرانيين وهي تمارس هوابتها المفضلة في اللعب على حافة الهاوية في صراعاتها سواءً مع الأصدقاء أو الخصوم على حدا سواءٍ ، ولا زال الصراع الأمريكي الكوري الشمالي ماثلاً للعيان .

• نجاح محمد علي هو صحفي استقصائي مستقل من العراق يكتب عن قضايا السياسة والمجتمع وحقوق الإنسان والأمن والأقليات. ظهرت أعماله في BBC العربي والفارسي ، و RT Arabic ، وقناة العربية ، وقناة الجزيرة ، و رأي اليوم ، و القدس العربي ، و انترناشيونال بوليسي دايجست ، من بين العديد من المنافذ الإعلامية الأخرى. خبير في الشؤون الايرانية والإقليمية لمتابعته على تويتر @najahmalii

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close