خواطرُ برقت ببالي، الفنان المؤمن، محمد القبنجي

بقلم د. رضا العطار

كان عزيزا وغاليا في ذكرياتي يوم دُعيت من قبل زميل لي في موقع العمل في بغداد عام 1974 الى داره بمناسبة احتفاله بالمولود الأول.

استقبلني الصديق عند مدخل الدار مرحبا، ثم اشار عليً جهة قاعة الضيوف،

كان الصالون الكبير مكتظا بالمدعويين وقد عُصفوا بريح من الحبور، ولما علموا بقدوم القبنجي بصحبة فرقته الموسيقية، اغتبطوا كثيرا

وبعد برهة قصيرة ظهر الاستاذ، باسم الثغر، محييا جمع الحضور بالتودد والاجلال

وعندما استهل حضرته بالغناء، ران الصمت والهدوء مجلسهم.

كان صوت الغناء رخيما، يموج بعبق المشاعر الطيبة، فقد انسابت انغامه الشجية الى قلوب المستمعين ملهبة فيها جذوة سرور. فتعالت الأصوات بالاستحسان طالبين الاعادة .

كانت اجواء الحفلة تبث فرحا.

وعندما انتهى الاستاذ من الفاصل الاول للغناء، ناشده احد الحضور اكثر من كل ما عداه، ان يسمعنا مقام الحكيمي، فرد عليه الاستاذ قائلا : حاضر! بس انطيني مهلة حتى اخلص ماعون فاصولتي الخضرة قبل ما تبرد ! فتعالى ضحك الضيوف وعلقوا بعبارات زادت من مرحبهم .

وقبل ان يواصل الاستاذ تفاصيل سهرة الليلة، التمس اليه احد المستمعين ان ينشد علينا مقام اللامي لكن الاستاذ لم يستجب الى طلبه قائلا له: ان مقام اللامي مقام توجع وشجن ونحن الليلة في حفلة فرح وانا من ذلك على يقين.

وهنا استدرك الموضوع كاتب السطور و قال للاستاذ، طالما لم تتاح لنا فرصة الاستماع لهذا المقام لعدم تلائم الظرف والمناسبة، فلا بأس لو اخبرتنا حضرتك بتفاصيل قصة هذا المقام وجميعنا يعلم بان مقام اللامي هو من ابتكارك.

قال الأستاذ القبنجي : عندما كنت في القاهرة عام 1933 اشهد فعاليات مؤتمر الموسيقيين العرب، تلقيت من شركة كرامافون الألمانية دعوة لزيارة المانيا لتسجيل بعض الاسطوانات،

هكذا لبيت العرض بلا تردد.

وبعد وصولي الى المانيا بيومين، وصلني خبر وفاة والدي، فصعقت واصبت بالدوار وبدأت اصرخ على فوري:

علام الدهر شتتنا وطرنه ليالي اللي مضت ماتعود ليً

لكن الفرقة الموسيقية المرافقة توقفت، فلم يواكب اصحابها اللحن، وقالوا : استاذ اللحن غريب، اننا نهنئك، لقد ابتكرت لحنا جديدا. فقلت لهم : طالما الحظ ابتسم،

اذن دعونا نضع له اسما، وتم الاتفاق ان ندعوه مقام اللامي. وعندما عدت الى بغداد غنيته في الاذاعة العراقية لأول مرة.

يخبرنا تاريخ الفن بان المقام العراقي ظهر اول مرة في العصر العباسي في بغداد زمن الخليفة ابو جعفر المنصور، ولهذا سُمي المقام الاول بمقام المنصوري.

وعند انتهاء الحفلة ومغادرة الضيوف الدار، جلست مع عميد المقام محمد القبنجي على الديوان نحتسي الشاي، وقلت له لقد انستنا واطربتنا يا استاذ فلك الشكر الجزيل، واستطردت بالقول : عظيمة هي الجهود التي بذلتها جنابك في سبيل الارتقاء بالمقام العراقي حتى بلغت به مستوى الذروة ودخلت دنيا الفن من اوسع ابوابه !

فنحن فخورين بشخصك وبهذا الخلود الفني الشامخ، فقد غدوت يا استاذ بفنك الفريد، زينة الوطن !

فرد القبنجي قائلا : شكرا على هذا ا الاطراء دكتور، واكاشفك بانني لن اكون مكتفيا بهذا الخلود وحده كما تفضلت، انما ابغي الخلود الأيماني كذلك، لذا قررت ان ابني جامع اسلامي في منطقة الحارثية ببغداد يحمل اسمي !

فأكبرت مقامه وزاد احترامي له. ودهشت من مشروعه الخيري كثيرا.

اقول : ان قرارا من هذا المعيار ما كان يمكن ان يخطر على بال القبنجي لولا وجود الأيمان الديني القويم راسخا في شخصه !

يعتقد د. رضا العطار جازما بان فلسفة الحياة لدى المرحوم القبنجي خلال ايام عمره، كانت نظيرا ومرادفا لفلسفة الشاعر الفذ عمر الخيام في كل ابعادها، فكلاهما كان موقفه من الانسان، موقفا انسانيا سمحا، هدفهما سعادة الانسان، ولهذا نظر كل منهما الى سلوك الفرد نظرة احترام، سواء أكان ذلك في لهوه ولعبه او في محراب عبادته وتقواه

اسمع الى عمر الخيام ماذا يقول بالفارسية :

مي بخر، منبر بسوسان * * * مردم ازاري مكن

المعنى الحرفي للنظم هو : الخمرة اشربها، والمنبر احرقه، بس لا تؤذي الناس !

اما القارئ العربي الكريم فقد ترجمها بهذه الصورة :

كن ما استطعت لبني الخلاعة تابعا * * * واهدم بناء الصوم والصلوات

واسمع عن الخيام خير نصيحة * * * اشرب وغني واسري للخيرات

وبعد ان انجز الفنان الكبير محمد القبنجي بناء الجامع المذكور في اجلى موقع في منطقة الحارثية ببغداد، مشرفا على الشارع العام، كنت انا احد المدعويين في حفلة الافتتاح.

كان حشد المحتفلين كبيرا، جاؤا من مختلف فئات المجتمع، كانت نسبة الحضور من طبقة المثقفين كثيفا.

كان الهيكل العام للجامع بحد ذاته تحفة فنية، كان مظهره الخارجي مبهرا و جذابا، تتجلى هيئته بالمهابة والعظمة، تلف جوانبه الاربعة هندسة معمارية رائعة .

اما في الداخل فقد وشحت جدرانه بأيات بينات من القرآن الكريم بالخط الكوفي الجميل

كان الجامع في متوسط الحجم، مناسبا لأقامة صلاة الجمعة، لعدد كاف من المصلين. وقد تُوج الجامع بالقبة والمنارة، وهما الرمز الاسلامي الدال على تلهف الانسان المسلم للتقرب الى الله.

ان وجود المنارة في ارتفاعها الشاهق سهًل سماع الأذان للمؤمنين جميعا.

اما خصائص القبة فشملت انارة الفضاء الداخلي للجامع عبر نوافذها الدائرية خلال ساعات النهار، الى جانب طرحها للهواء الساخن خارجا، اما في الليل، فتقوم هذه النوافذ بتنظيم التهوية الصحية، تزود جو الجامع بالهواء الرطب.

وقد كُسيت كل من المنارة والقبة للجامع بالكاشي الشذري البراق، يمازج اشعة الشمس المشرقة بلمعة تموجاته، تجتذب اليه قلوب الناظرين.

ان تواجد الانسان المسلم داخل الجامع بهدف تأدية الصلاة وما يعقبها من فروض، سواء أكان بمفرده او مع جماعة المصلين، يستبان شخصه الى صفاء النية ونبل القصد.

فمجرد مكوثه في الجامع بعض الوقت ـ هذا المكان المقدس ـ المشحون بالأجواء الايمانية الصادقة، حتى يشعر في اعماقه من فرط التأمل، بموجة من الخشوع الروحي، يروض كيانه كله، يجعله يحس خلال لحظات استغراقه انه اقترب الى خالقه.

كما يحس ايضا انه بدأ يتسامى ويتطهر وان نفسه التواقة الى الكمال، غدت تنبذ المفاسد و الادران، وهي ما ترفضه الفطرة الأنسانية السليمة، ليغدو انسانا احسن.

.وقد تم افتتاح جامع القبنجي تحت اشراف وزير الاوقاف لذلك العام.

الدكتور رضا العطار

واشنطن في 2022

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close