حقيقة الليبرالية العربية !

حقيقة الليبرالية العربية ! (*) بقلم د. رضا العطار

ان الليبرالية العربية وفرسانها الذين نتحدث عنهم، ليست هي الليبرالية الغربية. وليست هي الليبرالية كما يفهمها الغرب، وكما صاغها لنفسه من خلال معتقده ومن خلال قيمه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

فهناك المسيحية، وهنا الاسلام. وهناك الثورة الصناعية، وهنا المجتمع الاستهلاكي المحموم، وهناك ضبط المواليد وعدد السكان، وهنا الانفجار السكاني وسكان بلا حدود.

فهناك عصر الانوار والثورة الفرنسية والثورة الامريكية، وهنا استعمار عثماني ظلامي دام اربعة قرون، وهناك الديمقراطية، وهنا الحكام المستبدين، وهناك جحافل من المفكرين والباحثين والفلاسفة والمخترعين والمبدعين، وهنا التخلف الفكري والثقافي حيث لا زالت نسبة الامية عندنا تصل الى حوالي 50%. وهناك المرأة المتحررة والحرة، وهنا المرأة التي لا تزال تناضل من اجل كسب مزيدا من حقوقها، هناك الحداثة وهنا القدامة.

فليبراليتهم ليبرالية، وليبراليتنا شئ آخر – وقد ذكرت في مقالاتي السابقة قدرا من مظاهرها وحدودها وخطابها وانتهيت الى ان ما يجمع بين الليبرالية العربية بوجه خاص وبين الليبرالية الغربية ثلاثة قواسم مشتركة :

1 – الايمان بحق المواطنة الكامل لكل المواطنين بغض النظر من لونهم وجنسهم وطائفتهم ومعتقداتهم.

2 – كفل حرية الرأي الاخر كفالة تامة واتاحة المجال والحرية لكل ذي راي مخالف دون عقاب او مصادرة او اقصاء

3 – التدرج في خطوات الاصلاح العام وعدم حرق المراحل لكي لايذوب الجليد المتراكم منذ قرون عديدة بسرعة وتسبب فيضانات مدمرة.

هناك شخصيتان ساهمتا في نشر افكار فولتير وزيادة جرعة الشجاعة الفكرية لديه وحمايته من اضطهاد رجال الدين – – الذي كان فولتير يطلق عليهم (طغمة الكهنوت)

هما مدام دي بومباردو، ذات الشخصية النافذة وصاحبة الصالون الادبي المشهور في باريس – والملك الاكبر فريدريك الثاني ملك بروسيا (المانيا اليوم) الذي كان يقول انه تلميذ فولتير متبنيا افكاره الليبرالية – وقد عاش فولتير زمنا، محميا في قصر هذا الملك.

لقد اصبح فولتير في القرن الثامن عشر رسول التسامح الديني في فرنسا وربما في اوربا كلها كذلك – – – وقد تبنى بعض الليبراليين العرب جانبا من افكار فولتير التحررية في بناء الحضارة الانسانية والتي تقول ان التعصب الديني يعني تسفيه عقائد الاخرين واحتقارها ومنع الاخرين من التعبير عنها بالقوة – وان التسامح الفعلي ينبغي ان يسبقه تفكيك فكر التعصب لكي يظهر عاريا على حقيقته ويفقد شرعيته – – وانه لازم للتعددية سواء أكانت دينية او سياسية او عرقية او مذهبية، تشكل اصلا بنيويا من اصول الاجتماع البشري.

فالتعددية خيار وجودي لا محيد عنه، ولا يمكن لها ان تعيش باستمرار بطمأنينة، ما لم تكن مؤطرة بسمة التسامح. فهناك امثلة كثيرة من التاريخ العربي الاسلامي على التزمت والتعصب الذي زعزع السلم الاجتماعي ومنها مثال الاضطهاد والملاحقة التي جرت لابي علي الوليد، شيخ المعتزلة في العصر العباسي وكذلك للفيلسوف العربي ابن رشد في الاندلس، وسيطرة فقهاء البلاط المتزمتين على المشهد الثقافي والفكري الاندلسي الذي جاء شرحه في كتاب (جامع بيان العلم وفضله).

* الليبرالية بين الوهم والحقيقة لشاكر النابلسي مع التصرف.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close