عنتر و العنتريات

كامل سلمان

عنترة ابن شداد شاعر عربي قديم يقال عنه انه كان رجلاً شجاعاً عند قومه ، وقد تكون شجاعته برزت في نزاع قبلي مرة او مرتين في حياته فأصبح مثالاً يحتذى به عند القبائل الاخرى ، لكن لكثرة القصص والروايات التي نسبت لعنتر والتي اكثرها من وحي الخيال صارت من العنتريات اي من القصص المنسوبة لعنتر ، فمفردة عنتريات اي المبالغة في القصة المليئة بالكذب والتعظيم والقوة الخارقة من شيء اساساً ليس له وجود ، لقد سعيت وحاولت ان اجد مفردة في اللغة العربية تقابل مفردة عنتريات فلم اعثر على اية مفردة مناسبة تفسر هذه الكلمة لكنها تداولت عندنا هذه المفردة بهذا الشكل ( اي بمعنى قوة وعنف وتحدي بدون حدود وبدون حتى تفكير او تخطيط )
إذاً نحن مجتمع العنتريات ، مجتمع السيف والقوة والتعظيم لكل حدث ، والحقيقة مفهوم العنتريات دليل على اننا مجتمع لا نفهم من تأريخنا غير منطق عنتر في التعامل مع الاحداث اي منطق العنف ، منطق القوة ولا معرفة لنا بأي منطق حضاري وإنساني او منطق عقلي لذلك تجد السيف شعارنا في كل مكان في قصصنا وفي قصائدنا الشعرية وفي اغانينا ومنقوش على راياتنا ، رغم ان هذا السيف دخل في ادبارنا ، مازلنا متمسكين به . لسوء حظنا ان جميع من حكم بلدنا يؤمن بالعنتريات في حلحلت الامور داخلياً او خارجياً يعني ان مفهوم السياسة عند سياسينا ان تكون عنترا ، ولسوء حظنا ايضاً اننا مجتمع نتقبل العنتريات ونميل اليها بشكل جنوني ونعيش اجواءها بفخر واعتزاز . والذي يعيش بيننا وهو لا يؤمن بالعنتريات فهو جبان مخنث ولا يستحق العيش .
اليوم وفي عصر التكنلوجيا ، لم يعد ينفعنا عنتر ، عنتر لا يستطيع الصمود امام فايروس لايمكن رؤيته بالعين المجردة ، والعناترة في موقف حرج ، فالدول المتقدمة بقوتها وتكنولوجياتها المتطورة تستطيع قطع يد ولسان كل عنتر أينما كان قبل ان يرفع يده ، فالعنتريات أصبحت من الماضي ، فهل سيستمر العناترة يستعرضون قوتهم علينا . كلمة عنتر ( ليس المقصود بشخص عنتر التأريخي ) أصبحت في أذهاننا مرادفة لكلمة بدائي او همجي ، لأن مفهوم القوة والعنف لا تتناسب مع تركيبة الإنسان المتعلم ، فالإنسان ذلك الكائن الذي لا يمتلك من القوة البدنية والعضلية معشار ما تمتلكه معظم الحيوانات المفترسة ولكنه اي الإنسان استطاع ان يهيمن ويهزم جميع الكائنات بفضل مقدرته العقلية ، وكذلك في داخل حياة الإنسان ضمن التجمعات البشرية استطاع اصحاب العقول الكبيرة واصحاب الحكمة وعمالقة الفكر والبحث العلمي من تغيير وجه التأريخ ليس بفضل سيوفهم او عضلاتهم بل بفضل ملكاتهم الفكرية او العلمية او العقلية ، بينما عنتر لم يغيير حتى نفسه ، فما زال عنتر يعيش في عمق الصحراء يبحث عن الماء . . دعونا من العنتريات لكي نعيش حالنا حال البشر دعونا من الخداع ، دعونا من الاستعراضات الفارغة ، لا تجعلوا من قصص الخيال مبادىء تقودكم وتقود المجتمع الى الهلاك . . الحياة اليوم بحاجة الى البناء ، بناء الإنسان القويم الذي يصنع الحياة الصحيحة ، بحاجة الى ناصية العلم والمعرفة . فقد اصبح حالنا حال عنتر نعيش في الصحراء مهزومين امام الامم . .
عناترة اليوم لا يعلمون ان عنترياتهم خلّفت في بلدهم الصغير هذا اكثر من ثلاثة ملايين قتيل خلال اقل من ثلاثة عقود ، ملايين الارامل ، ملايين اليتامى ، اربعة ملايين متقاعد ، مدارس بلا مقاعد دراسية ، مستشفيات بلا دواء ولا مواد تعقيم ، ملايين العاطلين عن العمل ، شوارع خربة ، بطون لا تنام الليل من شدة الجوع ، عوائل تنام بالعراء ، الجهل والامية اصبحت الصفة الغالبة لمعظم سكان هذا البلد ، السجون مليئة بالسجناء المجرمين والابرياء ، ملايين النازحين ، المتسولين يملئون الشوارع ، الوطن نفسه تتلاعب به دول الجوار كالكرة في الملعب ، كل هذا امام أعينهم ولكنهم لا يرونه لأن عنترياتهم تأبى ان تبصر الواقع الذي ولّدته تلك العنتريات ، وصيحاتهم هيهات منا الذلة اي مازالوا بنفس النمط الذي بدأوه اول مرة وبنفس العقلية ، ، إذا لم تكن كل هذه المآسي هي الذلة بعينها فما معنى الذلة ؟ الذليل الذي لا يستشعر الذلة فهو إنسان ممسوخ .
قناعاتي ان أسوأ انواع الابتلاء و أقذرها هو ان تعيش مجبراً مع الذليل المهان الذي يشعر بالتعالي والزهو ، ويظن انه عنتر .

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close