لاعبوا السياسة في ملعب كُرة قدم

الكاتب/سمير داود حنوش

صَدَق مَنْ قال “إنّ السياسة تُفرّق والرياضة تجمع” ودائماً ما يقف العقل في أحيان كثيرة عاجزاً عن تفسير مايحدث في عالم السياسة ليجد أجوبتها في الرياضة وعالمها. “عرب وين طنبورة وين” لم يجدْ العراقيون عِبرة أو حِكمة أفضل من هذا التشبيه الذي يُطابق واقعهم المؤلم مع حياة السلاطين التي يعيشها ساستهم وقادة بلدهم يُشاهدون مُباراة الخِتام لكأس العالم وهم جالسون على مُدّرجات النُخبة، بينما يعيش مواطنيهم ويلات الغلاء والعَوّز وقِلة الحيلة، لم يتوقف المساكين من الضحك على زمنهم اللعين الذي سَخر منهم إلى درجة الاستهزاء.

لم تجدْ الزعامات وأرباب السُلطة في العراق مكاناً أو مُناسبة لِتجمعهم سوى ملاعب إستاد لوسيل في قطر للمُباراة النهائية لكأس العالم 2022، رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني يُضاف إليهم رئيس إقليم كوردستان نيجرفان بارزاني ومسؤولين وعناوين حكومية ربما حضرت إلى قطر بِطائراتهم الخاصة دون أن تظهر للعلن أو ترصدها كاميرات الإعلام.

وبين من كان يُشجّع الفريق الأرجنتيني وتعاطف البعض مع الفريق الفرنسي في المُباراة النهائية كان الغالب الذي يجمعهم هي الروح الرياضية التي تفرض قوانينها على تلك الزعامات عند خسارة فريقهم المُفضّل.

تلك الروح التي لانجد طعمها ولا لونها ولا رائحتها في عالم السياسة الذي يعيشون ضمن معالمه، خلافاتهم أو تصالحهم يعني ردود أفعال عكسية ترتّد سِلباً على حياة العراقيين حتى أصبحت دروساً للتندّر والفُكاهة عند الشعب حين يقولون أنهم عندما يتصالحون يسرقوننا، لكنهم عندما يختلفون يقتلوننا.

لم تكتفْ السياسة في العراق بِنهّب قوت وخيرات وثروات الشعب بواسطة جنودها السياسيين، بل سرقتْ حتى أحلامهم وآمالهم بِمُستقبل زاهر وواعد وجعلتهم مثل الذي يدور حول نفسه لايدري متى يتوقف عن الدوران.

لايُريد هؤلاء الساسة لِعقولهم المُرفّهة والهادئة أن تشغلها هموم الفقراء وكيف يُدبّر المواطن البسيط أموره المعيشية في وسط إرتفاع سعر الدولار وذلك الغلاء الذي بدأ يتصاعد حتى جعل المواطن يقف عاجزاً عن صدّ إعصاره.

لاترغب تلك الزعامات أن تُزعجها شكوى مواطن أو مُشكلة بلد أو حتى أزمة سيادة، فإختارت مُشاهدة مُباراة كأس العالم بدلاً من هذه الفوضى (ودوخة الرأس).

أحلى مافي الصورة في ملعب كُرة القدم أنّك تجد الوزير والغفير في مشهد واحد يوحي لك بالسواسية عندما تجدهم يصرخون، يُشجّعون، ويتقافزون، لكن هذا المشهد يختفي من عالم السياسة الذي يجعلهم يتمرّدون على كل عناوين الإنسانية والمشاعر من أجل السُلطة والنفوذ حتى وإن كان الثمن الصعود على جماجم الفقراء، نقيض الرياضة ذلك العالم الساذج الذي يأخذك إلى قوانين الفوز والخسارة ولكن بِشروط الإستمتاع البريء.

في وطني نفهم السياسة ونُشبّهها بِعالم المافيات المليء بالجرائم والفساد والسرقات وغالباً مايعيشه الذين لايستطيعون الحياة إلّا في ظل هذه البيئة الملوّثة، لذلك نستغرب ويُثيرنا الفضول كيف يكون لهؤلاء مساحة في عقولهم لِعالم الرياضة المليء بالمرح والسعادة؟ والأكثر من ذلك كيف تكون لهم تلك الروح الرياضية التي يخلو منها عالم السياسة؟.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here