عندما أصبح الوطن يستجدي الأغنية

الكاتب/سمير داود حنوش

بين الحضور والغياب وفي حنايا لهفة الشعب لمُشاهدته، ظلّتْ الفوضى تكتنف الموقف فيما إذا كان الفنان كاظم الساهر سيحضر حفل إفتتاح خليجي البصرة أم؟.

ومِن تأكيد إلى نفي ضجّت مواقع التواصل الإجتماعي وتنوّعت مصادر الأخبار على المواقع الإخبارية وحضر جمهور حاشد إلى مُدرّجات ملعب النخلة في البصرة بإمنيات أن يروا فنانهم وهو يتغنّى ببلده ووطنه.

ظلّتْ الأنظار تتّجه بإتجاه بوابات الملعب لِدخول الساهر، لكن ما إن بدأت الدقائق تقترب من إعلان بداية الحفل الكروي ونزول الفنانين رحمة رياض وحُسام الرسام لأداء أغاني إفتتاحية البطولة حتى إستيأس الجمهور من حضور أبو وسام .

تعدّدت وكثُرت الأسباب حتى أن البعض وظّف مُدوناته للتبرير أو اللعن، فمِنهم من قال “أن الساهر طلب مبلغاً خياليّاً يُقدّر بثلاثة ملايين دولار وطائرة خاصة تقلّه وفريقه المُرافق ذِهاباً وإياباً وبضمنهم طبيبه الخاص” وآخرين إعتقدوا أنه مُتخوّف على حياته من الوضع الأمني المُرتبك في البلد خصوصاً وإنَّ الساهر كانت تربطه علاقات وطيدة برموز النظام السابق ومنهم عُدي صدام حسين كما يُحب أن يتفيقه هذا البعض.

فيما إعتقد فريقاً آخر أن الفنان كاظم الساهر قد ترك وطنه بلا رجعة.

أقسى وأصعب أنواع الإستجداء أنْ تجد وطناً يتسوّل من أبنائه الكلمة، تماماً مثل صورة رجل كهل وهو يَمُدّ يده من أجل أن يضع له أبنائه مايجود به كرمهم.

ربما ذاكرة شعب العراق ليست بتلك الدرجة من الزهايمر لينسوا ذِكريات مهرجان بابل الذي كان يصدح في الثمانينات بالفِرق العربية والأجنبية على مُدرّجات مدينة بابل الأثريّة، يُرافقهم أغلب المُطربين العرب والأجانب، في ذلك الوقت كان مهرجان المربد يبدأ من حيث إنتهت فعاليات بابل الذي تصدح فيه حناجر شُعراء وأُدباء العرب ومن ينتمون للجامعة العربية.

وقبلها كان العراق المسرح الذي غنّتْ فيه كوكب الشرق أم كلثوم وفيروز وصَدَح على مسارحه صوت التونسي لُطفي بوشناق ورباب الكويتية وأمينة فاخت والكثير من جواهر الأصوات.

حتى في أصعب أيامه وزمانه حين كان الحِصار يقتطع من حياته وأحلامه وأرزاقه، كانت مسارح بغداد تستقبل الفنان عادل إمام والمُخرج صلاح أبو سيف والكثير من الفنانين الذين تحطّ طائراتهم في مطار بغداد الدولي.

لكن اليوم كاظم الساهر لم يحضر إلى حفل خليجي البصرة، ربما لأنه لم يَعُد ذلك الوطن الذي يعترف فيه أبو وسام، هل نلوم السياسة أو السياسيين أو حتى نزعل على كاظم؟ ربما الجميع مُتواطئ في المؤامرة.

السياسة في الوطن قتلتْ الفن وإمتدّت يدها الآثمة إلى الرياضة بحيث لم تترك للحياة باباً تدخله إلاّ وأغلقته.

قد تكون حكاية أم كلثوم قد مرّت على ذاكرة سفير الأغنية العراقية ويتذكر منها أن سيدة الغناء العربي وبعد نكسة حزيران 1967 واجهت الإتهامات بسبب أغانيها الغارقة بالحب والإشتياق والولع الذي إعتقده البعض مُخدِراً تسبب في الهزيمة، مما دفعها للتفكير بالإعتزال لكنها لم تلبث أن تراجعت عن قرارها وتسابقت مع الفنانين لإحياء الحفلات الغنائية خارج مصر وجمع التبرعات للمجهود الحربي تحت شعار (الفن من أجل المجهود الحربي) حينها كانت الأغنية تُسابق الوطنية والإنتماء، وشتّان مابين الزمنين.

كان للساهر أن يكون صوت العراق الذي بأسمه يُصافح ضيوف البلد وفي مُقدمة مُستقبليهم ويتباهى الشعب بولده البار، لا أن يكون نكسة عليه.

ترقبّنا وإنتظرنا حتى إمتلأ الوجدان شوقاً لِرؤية الساهر بين أهله وشعبه، لكن الإنتظار تبخّر عندما أعلنت صافرة الحكم بدأ المُباراة.

أبو وسام ليتك كُنت معنا لِنقول للضيوف أن الأبناء لاينسون وطنهم الذي علّمهم وهم أطفال معنى السُلّم الموسيقي (دو ري مي…) قد تكون لك أسبابك في عدم الحضور من يدري.

في كُل الأحوال كانت الصافرة ستُطلِق إفتتاح خليجي البصرة سواء حضر الساهر أم لم يحضر…وتلك هي سُنّة الحياة في الوطن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here