مفردات البطاقة التموينية لا تشبع البطون

باسل عباس خضير

البطاقة التموينية بشكلها النافذ اليوم هي امتداد لما أوجده النظام السابق عام 1990 عند ارتكابه خطأه الفادح باحتلال الكويت وقيام الولايات المتحدة ومجلس الأمن بفرض الحصار على العراقيين ، و بعد 2003 توقع البعض إلغاء البطاقة التموينية نظرا لزوال الحصار الاقتصادي وانجلاء الموقف بعودة البلد لتصدير النفط ، ولكن ذلك لم يحصل بسبب تدمير البنى التحتية وبقاء البلد تحت الاحتلال وما رافق ذلك من أحداث معروفة للجميع ، ورغم أمنيات البعض في تحسين مفردات الحصة التموينية بزيادة فقراتها وإضافة الجودة لمحتوياتها وشمولها لعدد آخر من المحتويات لسد الحد المقبول من متطلبات الحياة نظرا لتوافر الأموال من تصدير النفط وطي صفحة الإنفاق العسكري والحروب ، إلا إن كل الآمال والتوقعات ذهبت سدى طيلة السنوات العشرين التي عاشتها البلاد ، فالبطاقة التموينية لا تزال موجودة ومسوغاتها قائمة رغم الأمنيات الكبيرة بان تلغى وان يحصل المواطنون على حقوقهم ليعيشوا من مواردهم ومدخولاتهم بما يتناسب مع وصف العراق بأنه من أغنى البلدان ، وفي مقابل ذلك فان البطاقة التموينية تشهد تراجعا ملحوظا للحد الذي يعتقد فيه البعض إن بقاءها ليس لأجل سواد عيون العراقيين وإنما لاتخاذها مدخلا للتلاعب من قبل حيتان وصغار الفساد ، ورغم تكرار طرح موضوع تطوير البطاقة التموينية في كل الحكومات التي تعاقبت على البلد إلا إن مخرجات ذلك هو الوعود والتنصل والتمسك بأعذار اغلبها ليست لها صلة بالموضوع ، وقد وصل الأمر لان يطالب الشعب بإلغاء الحصة التموينية وتحويل نفقاتها لمبالغ توزع على المستحقين لكي يختاروا الطريقة التي يغطون بها ما يحتاجون من خلال المشتريات ، وبعد أن خفضت الدولة أكثر 23% من القدرات الشرائية للمواطنين بحجة تغيير سعر صرف الدولار إلى 1470 دينار ، فقد اصدر ( المشرعون ) قانون الأمن الغذائي والطوارئ الذي يهدف في ظاهره لحماية المحرومين والفقراء ومحدودي الدخل من ارتفاع الأسعار ودعم البطاقة التموينية لتعويض الشعب من ذلك القرار ، ولكن باطنه أشر الفرق الكبير بين عنوان ومحتوى هذا القانون فلم تخصص للبطاقة التموينية سوى نسبة ضئيلة جدا من مجمل التخصيصات لم تغير الحال .
والمشكلة الحقيقية في المفردات التي توزع شهريا ضمن البطاقة التموينية ( بوضعها الحال ) بها و تتكون من 7 مواد إنها لا تنال رضا الكثير من المشمولين بها ، وعند عرض هذه المفردات بموضوعية تامة فان :
الطحين : 9 كيلو ، والمجهز أغلبه بنوعيات لا تناسب صنع الخبز منزليا وهناك تأخير في التجهيز في الحصص منذ شهر آب 2022 ، والمعروف إن الكثير من العوائل لا تستخدم الطحين في صناعة الخبز لذا يتم بيعه للوكلاء او ( الدوارة ) بسعر لا يتجاوز 500 دينار للكيلو غرام ( بعد ارتفاع أسعاره عالميا بعد حرب أوكرانيا ) لاستخدامه من قبل الأفران بعد خلطه او استخدامه علف ضمن عليقه للأسماك والحيوان .
السكر : ا كيلو ، والكمية المجهزة لا تتناسب مع احتياجات العائلة مما يضطرها للشراء من الأسواق ، وقد تم تخفيضه من 2 كيلو إلى 1 كيلو بعد إضافة المعجون والبقوليات للحصة .
زيت الطعام : بواقع 1 لتر ، ورغم الملاحظات عن الجودة أحيانا إلا انه لا يكفي لسد متطلبات الفرد لشهر كامل بسبب عادات الاستخدام لذا تلجأ العائلة لتعويض ما تحتاجه بالشراء من الأسواق .
الرز : 3 كيلو ، والكمية المجهزة كافية لأغلب العوائل ولكن المجهز بجودة منخفضة مما يضطر بعض العوائل ببيع الكيلو ب250 دينار وشراء الرز الجيد من الأسواق لخلطه مع الرز المجهز لرفع الجودة او الاستغناء عن الرز المجهز والاعتماد على الشراء من الأسواق وبذلك يتحول اغلبه لأعلاف .
معجون الطماطة : 500 غرام وبغض النظر عن النوعية فانه لا يكفي للمتطلبات الشهرية باعتباره مادة مهمة في الطبخ .
الحمص والعدس والفاصوليا : 500 غرام من العدس و500 غرام من البقوليات ، وهي من المواد المهمة للكثير ولكن هناك سوء في التوزيع من خلال عدم التناوب في تجهيز البقوليات وتكرار الحمص المجروش وعدم توزيع الحمص الصحيح والفاصوليا .
وهناك ملاحظات تسجل على البطاقة التموينية ومفرداتها تتكرر ذاتها منذ 20 عام وأبرزها ، عدم الثبات في مواعيد توزيعها فهي تعتمد على عدة عوامل بشكل يجعلها لاتصل للمواطن بانتظام ، ويتم تجهيزها بنوعيات لا تنسجم ورغبات المشمولين مما يجعل بعضهم يستخدمها او يبيعوها بابخس الاثمان ، وهناك عدم وضوح في العلاقة بين التجارة ووكلاء الحصة التموينية وضعف الرقابة عليهم مما يجعل علاقاتهم مع المواطنين يسودها الاجتهاد ، وعدم المساواة في معاملة المواطنين بغض النظر عن العمر والاحتياج حيث يتم حرمان حديثي الولادة من احتياجاتهم من حليب الأطفال والمكملات الغذائية ، والاهم من ذلك إن الحصة التموينية لم تحدد على أسس علمية من حيث الاحتياج للسعرات الحرارية والمعادن والبروتين والكاربوهيررات وغيرها .
ورغم اعتقاد البعض بان التموينية هي هبة من الدولة للمواطن تمنحها بالمجان ، إلا إنها تقدم مقابل مبالغ لم تستطيع الجهات المعنية الرقابة عليها فالمواطن يدفع 500- 2000 دينار شهريا عن حصة كل فرد ( تبعا لرغبة لوكيل ) ، وهناك العديد من الشكوك التي ترافق أداء البطاقة التموينية وأبرزها يتعلق بالعدد الحقيقي للمشمولين بها فالبيانات التي تصدر من الجهات المعنية في الدولة تقول إن عددهم 40 مليون أي بعدد سكان العراق ، وهذا الرقم يحتاج إلى مراجعة وتدقيق فإذا كان يمثل عدد العراقيين فهناك الملايين منهم يتواجدون في الخارج من متعددي الجنسية والمهاجرين والمقيمين ، ولوائح وزارة التجارة تقضي بشطب حصة المقيم في الخارج بإخبار من وكيل الغذائية او عند تحديث البيانات سنويا ، كما إن هناك أعداد كبيرة من العوائل تحجب عنهم الحصص التموينية ويمكن احتفاظهم بالبطاقة لغرض التعريف ومنهم المنتمين لغرف التجارة واتحاد الصناعات وأصحاب الدرجات الخاصة والموظفين الذين تزيد مخولاتهم عن مليون ونصف دينار ، كما إن هناك الكثير من العوائل التي تعزف عن تحديث بياناتها بخصوص المواليد الجديدة لما تحتاجه من إجراءات ومراجعات بيروقراطية تطول لشهور او لاعتقاد البعض إن الحصة لا تستحق الإضافة والاهتمام ، كما إن هناك شكوك في علاقة الناقلين مع وكلاء المواد الغذائية فبعض المواد قابلة للتلاعب بها فنسبة مهمة من كمية الطحين المستحق للمشمولين في بعض المناطق لا يجهز للوكلاء ويباع للناقلين او من يشترونه ، ومع إننا لا نمتلك أدلة تخص نزاهة عقود الشراء من حيث مصادرها وأسعارها الحقيقية إلا إن المتحدثين ( بالإعلام ) يؤشرون كثيرا من الأدلة والشبهات ، ولكن ما يسند ذلك هي النوعيات التي تصل للمواطن والتي لا تقنع غالبيتهم وتجعلهم يستغنون عنها بطريقة ما ، وفي ضوء الكميات والنوعيات المجهزة فان القيمة السوقية للحصة التموينية لا تتجاوز 7000 دينار للفرد شهريا ( 5 دولار ) في أحسن التقديرات ، وتفاصيلها ( 1500 للطحين + 750 للرز + 750 للسكر + 2000 للزيت + 750 للمعجون + 1000 للبقوليات ) .
وفي الوقت الذي تحرم فيه فئات من الأفراد من استخدامهم الفعلي للمواد الغذائية ( الأطفال ، المرضى ، كبار السن ، غيرهم ) من خلال عدم مراعاة احتياجاتهم الحقيقية وحرمان آخرين من خلال عدم استخدام البعض لأجزاء منها بسبب النوعية ، فان من المؤسف حقا اعتقاد البعض بان البطاقة التموينية مستمرة لتحقيق الأمن الغذائي وان غايتها الأساسية إشباع البطون ، فالحقيقة التي لا يمكن إخفائها والتي يلمسها أي مواطن مستفيد من الحصة التموينية إنها غير كافية لإشباع البطون وهي غير كافية كما ونوعا في تغطية متطلبات الحياة بمستوى الكفاف ، والمطلوب وقفة حقيقية وجادة لتحديد جدوى استمرار العمل بالبطاقة التموينية بوضعها الحالي والبدائل عنها التي تحقق الحدود الدنيا من الاحتياجات الأساسية وبالكلف التي تنفق من الموازنة الاتحادية ، وإذا كان النظام السابق قد ظلم الناس بالحروب والحصار وتسبب بالجوع تحت ذريعة عدم توفر الاموال ، فليس من المقبول أن يؤجل او يهمل او يستغل هذا الموضوع وبلدنا وصلت موارده 115 مليار دولار خلال 2022 من مبيعات النفط فقط ( عدا مبيعات إقليم كردستان ) !! .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close