من أجل ذاكرة مضادة، من أجل تاريخ مختلف

حمزة الحسن

كيف وصلنا جميعا الى هذا الحال ضحايا وجلادين
في دورة تناوب وتخريب مكررة؟
ليست السلطة وحدها
بل المجتمع ايضا،
ومن غير الصحيح عزل هذه عن تلك،
ولا يمكن أن يكون هؤلاء ” شياطين”
ونحن ملائكة،
لأن السلطة السياسية نتاج السلطة الاجتماعية.

عشنا في زمن عراقي قريب كان فيه الجار جاراً
وليس مخبراً أو واشياً أو بصاصاً
لأن حق الجار على الجار،
وكانت العوائل تتبادل الاسرار والطعام عبر الحيطان المشتركة،
وهو ميثاق أخلاقي عبر القرون.

شخص واحد موشك على الموت في اطراف البلدة
نشاركه الاحتضار والالم والأمل.
امرأة داهمها المخاض في أعماق الحي نطلق معها
ونصلي لكي تلد بسلام.
عاشقة حزينة باغتها الأرق نعرف أسرارها
ورسائل حبها السرية.
غريب مريض في بيت عتيق نزوره حتى يشفى أو يموت
ونودعه الى المقبرة ونحزن على هذا الموت القاسي للغرباء.
عجوز وحيدة عمياء نطبخ لها الطعام
ونغسل الثياب والبيت ونشعل الموقد حتى تنام.
ارملة قطيع ماعز أو ابقار نساعدها في الحلب أو العلف.
كنا نسافر الى الاقرباء أو زيارة الاضرحة دون خشية على الدار
لأن ” البيارق” كافية كعرف ودستور أخلاقي،
يوم كان اللص شهماً وتقياً وشجاعاً رغم العوز والفقر،
يخجل من سرقة اليتيم والمثقف والأرملة.

شرطي واحد يطوف البلدة بحقيبة تبليغ
وحين يعثر على المطلوب يخجل ويتردد من القبض عليه
لأنه على استعداد أن يخرق القانون،
ولكنه غير قادر على خرق قانون الزاد والملح والعشرة وعلاقات الشارع والحي.
كنا نترك المشاجرة في الطريق لدى مرور المعلم
او السجين السياسي،
يوم كان السياسي العراقي يبيع طحين العائلة لكي يدفع اشتراكات الحزب،
يوم كان يصعد المشنقة بثياب ممزقة كقمر فوق الأشجار
وليس كما اليوم يصعد على مال وجماجم وحاضر ومستقبل الناس والاجيال التي
لم تولد بعد،
ودول العالم صارت تضع صندوق الادخار للاجيال القادمة،
في حين التهم ساسة اليوم كل شيء،
وصحروا الغابات والنفوس والمدن والاحلام.

كان نظام” الضمان الاجتماعي” أو التكافل قائما وفاعلا بين الناس خارج السلطة،
فلا يجوع معوز أو ارمل أو يتيم أو غريب،
ولا يتعرى لأن صحون الطعام تدور في المساء ،
في العتمة من أجل العفة على بيوت المحتاجين
مع الملابس الفائضة عن الحاجة،
وأما اليتامى فمن العيب أن نفرح في العيد وهم في ثياب رثة
وكانوا يلبسون كما نلبس ويذهبون الى الأراجيح نفسها.
كان موت انسان حدثاً كبيراً،
يوم كان الموت موتاً طبيعياً وليس جريمة،
وكان نباح كلب منتصف الليل،
يوم كان الكلب كلبا حقيقيا،
أمراً ملفتأً لأنه قد يعني قدوم ضيف.
في بعض القرى كانت الابواب لا تغلق
والنيران مشتعلة منتصف الليل لكي تكون دليلاً للتائه والعابر
قبل أن يأتي زمن الضيوف اللصوص المتنكرين.
كان” اعدام ” انسان كارثة في الحكايات وليست واقعاً الا في حالات نادرة وخارج الفضاء العام وفي غرف خاصة
وليس حفلاً عاماً وكان يسمى الصلب.
في ” زمن الفوانيس” فانوس واحد يضيء الشارع في الليل
قبل زمن المصابيح والمشانق والعنف الثوري والعدو المحتمل والعدو الفكري والطائفي والوطني واللاوطني، والمناضل والتوفيقي، والبرجوازي الصغير والكبير، والمؤمن والكافر، والثوري وغير الثور ـــ ي، والخ وهلم جرا.
زيارة مريض او سجين مع هدية،
تجعله مديناً لك الى الابد،
يوم كان الوفاء اخلاصا للذات والاخرين،
وليس كما اليوم صار الخداع شطارة وذكاءً.
كان الطبيب طبيبا وليس رجل مخابرات او نصّاباً،
وكذلك القاضي والسائق والمعمم والدفان،
وكان دكان الحلاقة دكان حلاقة فعلاً وليس وكراً لرجال الأمن.

كان الميت ميتاً حقيقيا وليس مهرجاً أو مجرماً مفخخاً.
قبل ان يأتي زمن سرقة التوابيت،
لم نسمع بسرقة المصاطب من الحدائق العامة.
لم نسمع بكلمة خاطف أو مخطوف،
وكان المجتمع سبيكة ذهب موحدة قبل زمن العنف الثوري والخ.
كانت الشمس تشرق علينا خضرةً ودفئاً وليس عذاباً كما اليوم.
لم تكن الانهار تجف،
اذا حدث ذلك، كانت السماء تمطر.
كان القسم أو الحلف بالزاد والملح المشترك على مائدة طعام يوماً ،
يكفي للصداقة والوفاء،
وكانت قيم مثل: هذا أكلت معه أو هو جاري أو يعمل معي أو نمشي في الشارع نفسه
أو أخته تعمل مع أختي أو أمه تعرف أمي
أو نجلس في المقهى نفسه وغيرها قيماً رادعة وجامعة.
وكانت هذه مبادئ في معاملات التجارة والسوق والبيع والشراء،
بل كان كأس ماء شُرب في منزل يكفي لمنح الأمان،
قبل أن يأتي زمن لا ينفع فيه حتى التبرع بالقلب.

صار الاحتيال بكل أنواعه مدرسة ونظرية سلوكية.
صار الغش في السياسة وفي اللبن والاعلام وفي البرلمان وفي المصارف وفي الحليب نظرية عمل.

حتى اليوم هناك من يعتقد ان هذا العراق هو وطن مخصص له،
وهو وحده مالك العقار والحقيقة والسلطة والشرف،
كما كان يعتقد في مراحل سابقة،
بعد أن قلب المعطف على وجهه الآخر، تماشياً مع المرحلة،
حتى بعد ان فقد الجميع الوطن بسبب هذه العقلية،
مع ان العراق يتسع للجميع بلا حيازة ولا امتلاك،
وكل امتلاك للحقيقة والسلطة والحرية هو ارهاب وجريمة،
وخاتمته المنطقية يتساوى الضحايا مع الجلادين في القبور والمنافي والخرائب.
شوهنا وجه العراق بالانقلابات والطائرات
والسموم والاحزاب والاغتيالات والعقائد الصلبة
لكن العراق كان رحيماً بنا.
حاولنا اغتياله بالحروب والسرقة والحرق والقنابل والجرائم وقطع الاشجار والارحام والارزاق لكنه يغفر وينسى ويعطي أكثر.
نسرقه ونقطع اشجاره لكنه يشفق علينا.
نسرق ونهدر خيراته في النهب والحروب،
يمنح أكثر.
هذا العراق حقل أزهار،
هذا العراق الجميل، العراق النحيل،
هذا العراق البهي،
لا نستحقه نحن.
هذا العراق بستان أزهار
ومن العار أن يُسحق تحت أظلاف الخنازير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close